درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۴۵: استصحاب ۴۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومعرفته تفصيلا ؛ لأنّ القضايا العقليّة إمّا ضروريّة لا يحتاج العقل في حكمه إلى أزيد من تصوّر الموضوع بجميع ما له دخل في موضوعيّته من قيوده ، وإمّا نظريّة تنتهي إلى ضروريّة كذلك ، فلا يعقل إجمال الموضوع في حكم العقل ، مع أنّك ستعرف في مسألة اشتراط بقاء الموضوع (١) ، أنّ الشكّ في الموضوع ـ خصوصا لأجل مدخليّة شيء ـ مانع عن إجراء الاستصحاب.

فإن قلت : فكيف يستصحب الحكم الشرعيّ مع أنّه كاشف عن حكم عقليّ مستقلّ؟ فإنّه إذا ثبت حكم العقل بردّ الوديعة ، وحكم الشارع طبقه بوجوب الردّ ، ثمّ عرض ما يوجب الشكّ ـ مثل الاضطرار والخوف ـ فيستصحب الحكم (٢) مع أنّه كان تابعا للحكم العقليّ.

عدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي أيضا

قلت : أمّا الحكم الشرعيّ المستند إلى الحكم العقليّ ، فحاله حال الحكم العقليّ في عدم جريان الاستصحاب. نعم ، لو ورد في مورد حكم العقل حكم شرعيّ من غير جهة العقل ، وحصل التغيّر في حال من أحوال موضوعه ممّا يحتمل مدخليّته وجودا أو عدما في الحكم ، جرى الاستصحاب وحكم بأنّ موضوعه أعمّ من موضوع حكم العقل ؛ ومن هنا يجري استصحاب عدم التكليف في حال يستقلّ العقل بقبح التكليف فيه ، لكنّ (٣) العدم الأزليّ ليس مستندا إلى القبح وإن كان موردا للقبح.

هذا حال نفس الحكم العقلي.

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٨٩ ـ ٢٩١.

(٢) في مصحّحة (ص) زيادة : «الشرعي».

(٣) كذا في النسخ ، والمناسب بدل «لكنّ» : «لأنّ».

هل يجري الاستصحاب في موضوع الحكم العقلي؟

وأمّا موضوعه ـ كالضرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم ـ فالذي ينبغي أن يقال فيه :

إنّ الاستصحاب إن اعتبر من باب الظنّ عمل به هنا ؛ لأنّه يظنّ الضرر بالاستصحاب ، فيحمل عليه الحكم العقليّ إن كان موضوعه أعمّ من القطع والظنّ ، كما في مثال الضرر (١).

وإن اعتبر من باب التعبّد ـ لأجل الأخبار ـ فلا يجوز العمل به ؛ للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشكّ في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع (٢).

مثلا : إذا ثبت بقاء الضرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب ، فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضرر على مورد الشكّ ، وأمّا الحكم العقلي (٣) بالقبح والحرمة (٤) فلا يثبت إلاّ مع إحراز الضرر (٥). نعم ، يثبت الحرمة الشرعيّة بمعنى نهي الشارع ظاهرا (٦) ، ولا منافاة بين انتفاء

__________________

(١) لم ترد «إن كان ـ إلى ـ الضرر» في (ظ) ، وفي (ت) و (ص) كتب فوقها : «نسخة».

(٢) لم ترد «فلا يجوز ـ إلى ـ مع القطع» في (ظ) ، وفي (ت) و (ص) كتب عليها : «نسخة» ، وورد بدلها في هذه النسخ ما يلي : «فلا يثبت إلاّ الآثار الشرعيّة المجعولة القابلة للجعل الظاهريّ ، وتعبّد الشارع بالحكم العقلي يخرجه عن كونه حكما عقليّا» ، لكن شطب عليها في (ت).

(٣) في (ص): «حكم العقل».

(٤) لم ترد «الحرمة» في (ر).

(٥) في (ر) ونسخة بدل (ص) بدل «مع إحراز الضرر» : «بذلك».

(٦) في (ر) و (ص) زيادة : «لثبوتها سابقا ولو بواسطة الحكم العقلي» ، وفي (ص) بدل «سابقا» : «ظاهرا» ، وكتبت على هذه الزيادة فيها : «نسخة».

الحكم العقليّ وثبوت الحكم الشرعيّ ؛ لأنّ عدم حكم العقل (١) مع الشكّ إنّما هو لاشتباه الموضوع عنده ، وباشتباهه يشتبه الحكم الشرعيّ الواقعيّ أيضا ، إلاّ أنّ الشارع حكم على هذا المشتبه الحكم الواقعيّ بحكم ظاهريّ هي الحرمة.

ما يظهر مّما ذكرنا

وممّا ذكرنا ـ من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقليّ ـ يظهر :

ما في تمسّك بعضهم (٢) لإجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها ، باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان.

وما في اعتراض بعض المعاصرين (٣) على من خصّ ـ من القدماء والمتأخّرين ـ استصحاب حال العقل باستصحاب العدم ، بأنّه لا وجه للتخصيص ؛ فإنّ حكم العقل المستصحب قد يكون وجوديّا تكليفيّا كاستصحاب تحريم التصرّف في مال الغير ووجوب ردّ الأمانة إذا عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما ـ كالاضطرار والخوف ـ أو وضعيّا كشرطيّة العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشكّ في بقائها. ويظهر حال المثالين الأوّلين ممّا ذكرنا سابقا (٤). وأمّا المثال الثالث ، فلم يتصوّر فيه الشكّ في بقاء شرطيّة العلم للتكليف في زمان. نعم ، ربما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل ثمّ اشتبه وصار معلوما

__________________

(١) في (ت): «الحكم العقلي».

(٢) لم نقف عليه ، وقيل : إنّه المحقّق القمّي ، انظر أوثق الوسائل : ٤٤٥.

(٣) هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٦٦.

(٤) من : عدم إمكان جريان الاستصحاب في الحكم العقلي ، انظر الصفحة ٢١٥.