درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۴۷: استصحاب ۴۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بالإجمال ، لكنّه خارج عمّا نحن فيه ، مع عدم جريان الاستصحاب فيه ، كما سننبّه عليه (١).

ويظهر أيضا فساد التمسّك باستصحاب البراءة والاشتغال الثابتين بقاعدتي البراءة والاشتغال (٢).

مثال الأوّل : ما إذا قطع بالبراءة عن وجوب غسل الجمعة والدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه ، فإنّ مجرّد الشكّ في حصول الاشتغال كاف في حكم العقل بالبراءة ، ولا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة والحكم بعدم ارتفاعها ظاهرا ، فلا فرق بين الحالة السابقة واللاحقة في استقلال العقل بقبح التكليف فيهما ؛ لكون المناط في القبح عدم العلم. نعم ، لو اريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته باستصحاب عدمه ، لكنّ المقصود من استصحابه ليس إلاّ ترتيب آثار عدم الحكم ، وليس إلاّ عدم الاشتغال الذي يحكم به العقل في زمان الشكّ ، فهو من آثار الشكّ لا المشكوك.

ومثال الثاني : ما إذا حكم العقل ـ عند اشتباه المكلّف به ـ بوجوب السورة في الصلاة ، ووجوب الصلاة إلى أربع جهات ، ووجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة ، ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعيّ وسقوطه ـ كأن صلّى بلا سورة أو إلى بعض الجهات أو اجتنب أحدهما ـ فربما يتمسّك حينئذ باستصحاب الاشتغال المتيقّن سابقا.

__________________

(١) سيأتي التنبيه عليه في الصفحة اللاحقة عند قوله : «لكنّه لا يقضي».

(٢) تقدّم هذا الاستدلال في مبحث البراءة والاشتغال ٢ : ٥٩ و ٣٢٥ ـ ٣٢٦.

وفيه : أنّ الحكم السابق لم يكن إلاّ بحكم العقل الحاكم بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة عن التكليف المعلوم في زمان ، وهو بعينه موجود في هذا الزمان. نعم ، الفرق بين هذا الزمان والزمان السابق : حصول العلم بوجود التكليف فعلا بالواقع في السابق وعدم العلم به في هذا الزمان ، وهذا لا يؤثّر في حكم العقل المذكور ؛ إذ يكفي فيه العلم بالتكليف الواقعي آناً ما. نعم ، يجري استصحاب عدم فعل الواجب الواقعيّ وعدم سقوطه عنه ، لكنّه لا يقضي بوجوب الإتيان بالصلاة مع السورة والصلاة إلى الجهة الباقية واجتناب المشتبه الباقي ، بل يقضي بوجوب تحصيل البراءة من الواقع. لكن مجرّد ذلك لا يثبت وجوب الإتيان بما يقتضي اليقين بالبراءة ، إلاّ على القول بالأصل المثبت ، أو بضميمة حكم العقل بوجوب تحصيل اليقين ، والأوّل لا نقول به ، والثاني بعينه موجود في محلّ الشكّ من دون الاستصحاب.

الأمر الرابع

هل يجري الاستصحاب التعليقي؟

قد يطلق على بعض الاستصحابات : الاستصحاب التقديريّ تارة ، والتعليقيّ اخرى ؛ باعتبار كون القضيّة المستصحبة قضيّة تعليقيّة حكم فيها بوجود حكم على تقدير وجود آخر ، فربما يتوهّم (١) ـ لأجل ذلك ـ الإشكال في اعتباره ، بل منعه والرجوع فيه إلى استصحاب مخالف له.

توضيح هذا الاستصحاب :

توضيح ذلك : أنّ المستصحب قد يكون أمرا موجودا في السابق بالفعل ـ كما إذا وجب الصلاة فعلا أو حرم العصير العنبيّ بالفعل في زمان ، ثمّ شكّ في بقائه وارتفاعه ـ وهذا لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

وقد يكون أمرا موجودا على تقدير وجود أمر ، فالمستصحب هو وجوده التعليقيّ ، مثل : أنّ العنب كان حرمة مائه معلّقة على غليانه ، فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان (٢) ، فإذا جفّ وصار زبيبا فهل يبقى بالاستصحاب حرمة مائه المعلّقة على الغليان ، فيحرم عند تحقّق الغليان

__________________

(١) المتوهّم هو صاحب المناهل تبعا لوالده ، كما سيأتي.

(٢) لم ترد «فالحرمة ثابتة على تقدير الغليان» في (ظ).

أم لا ، بل يستصحب الإباحة السابقة لماء الزبيب قبل الغليان؟

ظاهر سيّد مشايخنا (١) في المناهل ـ وفاقا لما حكاه عن والده قدس‌سره (٢) في الدرس ـ : عدم اعتبار الاستصحاب الأوّل ، والرجوع إلى الاستصحاب الثاني.

كلام صاحب المناهل في عدم جريان الاستصحاب التعليقي

قال في المناهل ـ في ردّ تمسّك السيّد العلاّمة الطباطبائيّ (٣) على حرمة العصير من الزبيب إذا غلا بالاستصحاب ، ودعوى تقديمه على استصحاب الإباحة ـ :

إنّه يشترط في حجّيّة الاستصحاب ثبوت أمر أو (٤) حكم وضعيّ أو تكليفيّ (٥) في زمان من الأزمنة قطعا ، ثمّ يحصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب ، ولا (٦) يكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات ، فالاستصحاب التقديريّ باطل ، وقد صرّح بذلك الوالد العلاّمة قدس‌سره في أثناء الدرس ، فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم في المسألة (٧). انتهى كلامه ، رفع مقامه.

المناقشة في ما أفاده صاحب المناهل

أقول : لا إشكال في أنّه يعتبر في الاستصحاب تحقّق المستصحب

__________________

(١) هو السيّد محمّد الطباطبائي ، الملقّب بالمجاهد.

(٢) هو السيّد علي الطباطبائي ، صاحب الرياض.

(٣) الملقّب ببحر العلوم ، انظر المصابيح (مخطوط) : ٤٤٧.

(٤) في المصدر بدل «أو» : «من».

(٥) في المصدر زيادة : «أو موضوع».

(٦) في المصدر بدل «ولا» : «فلا».

(٧) المناهل : ٦٥٢ (كتاب الأطعمة والأشربة).