درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۵۵: استصحاب ۵۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأمر السادس

عدم ترتّب الآثار غير الشرعيّة على الاستصحاب والدليل عليه

قد عرفت أنّ معنى عدم نقض اليقين والمضيّ عليه ، هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن ، ووجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يعقل إلاّ في الآثار الشرعيّة المجعولة من الشارع لذلك الشيء ؛ لأنّها القابلة للجعل دون غيرها من الآثار العقليّة والعاديّة. فالمعقول من حكم الشارع بحياة زيد وإيجابه ترتيب آثار الحياة في زمان الشكّ ، هو حكمه بحرمة تزويج زوجته والتصرّف في ماله ، لا حكمه بنموّه ونبات لحيته ؛ لأنّ هذه غير قابلة لجعل الشارع. نعم ، لو وقع نفس النموّ ونبات اللحية موردا للاستصحاب أو غيره من التنزيلات الشرعيّة أفاد ذلك جعل آثارهما الشرعيّة دون العقليّة والعاديّة ، لكنّ المفروض ورود الحياة موردا للاستصحاب.

والحاصل : أنّ تنزيل الشارع المشكوك منزلة المتيقّن ـ كسائر التنزيلات ـ إنّما يفيد ترتيب الأحكام والآثار الشرعيّة المحمولة على المتيقّن السابق ، فلا دلالة فيها (١) على جعل غيرها من الآثار العقليّة

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «فيه» ؛ لرجوع الضمير إلى تنزيل الشارع.

والعاديّة ؛ لعدم قابليّتها للجعل ، ولا على جعل الآثار الشرعيّة المترتّبة على تلك الآثار ؛ لأنّها ليست آثارا لنفس المتيقّن ، ولم يقع ذوها موردا لتنزيل الشارع حتّى تترتّب هي عليه.

إذا عرفت هذا فنقول : إنّ المستصحب إمّا أن يكون حكما (١) من الأحكام الشرعيّة المجعولة ـ كالوجوب والتحريم والإباحة وغيرها ـ وإمّا أن يكون من غير المجعولات ، كالموضوعات الخارجيّة واللغويّة.

فإن كان من الأحكام الشرعيّة فالمجعول في زمان الشكّ حكم ظاهريّ مساو للمتيقّن السابق في جميع ما يترتّب عليه ؛ لأنّه مفاد وجوب ترتيب آثار المتيقّن السابق ووجوب المضيّ عليه والعمل به.

وإن كان من غيرها فالمجعول في زمان الشكّ هي لوازمه الشرعيّة ، دون العقليّة والعاديّة ، ودون ملزومه شرعيّا كان أو غيره ، ودون ما هو ملازم معه لملزوم ثالث.

المراد من نفي الاصول المثبتة

ولعلّ هذا هو المراد بما اشتهر على ألسنة أهل العصر (٢) : من نفي الاصول المثبتة ، فيريدون به : أنّ الأصل لا يثبت أمرا في الخارج حتّى يترتّب عليه حكمه الشرعيّ ، بل مؤدّاه أمر الشارع بالعمل على طبق مجراه شرعا.

فإن قلت : الظاهر من الأخبار وجوب أن يعمل الشاكّ عمل المتيقّن ، بأن يفرض نفسه متيقّنا ويعمل كلّ عمل ينشأ من تيقّنه بذلك

__________________

(١) لم ترد «حكما» في (ت) و (ه).

(٢) انظر مناهج الأحكام : ٢٣٣ ، وسيأتي التصريح به في كلمات صاحب الفصول وكاشف الغطاء.

المشكوك ، سواء كان ترتّبه عليه بلا واسطة أو بواسطة أمر عاديّ أو عقليّ مترتّب على ذلك المتيقّن.

قلت : الواجب على الشاكّ عمل المتيقّن بالمستصحب من حيث تيقّنه به ، وأمّا ما يجب عليه من حيث تيقّنه بأمر يلازم ذلك المتيقّن عقلا أو عادة ، فلا يجب عليه ؛ لأنّ وجوبه عليه يتوقّف على وجود واقعيّ لذلك الأمر العقليّ أو العاديّ ، أو وجود جعليّ بأن يقع موردا لجعل الشارع حتّى يرجع جعله الغير المعقول إلى جعل أحكامه الشرعيّة ، وحيث فرض عدم الوجود الواقعيّ والجعليّ لذلك الأمر ، كان الأصل عدم وجوده وعدم ترتّب آثاره.

وهذه المسألة نظير (١) ما هو المشهور في باب الرضاع : من أنّه إذا ثبت بالرضاع عنوان ملازم لعنوان محرّم من المحرّمات لم يوجب التحريم ؛ لأنّ الحكم تابع لذلك العنوان الحاصل بالنسب أو بالرضاع ، فلا يترتّب على غيره المتّحد معه وجودا.

عدم ترتّب الآثار واللوازم غير الشرعيّة مطلقا

ومن هنا يعلم : أنّه لا فرق في الأمر العاديّ بين كونه متّحد الوجود مع المستصحب بحيث لا يتغايران إلاّ مفهوما ـ كاستصحاب بقاء الكرّ في الحوض عند الشكّ في كريّة الماء الباقي فيه ـ وبين تغايرهما في الوجود ، كما لو علم بوجود المقتضي لحادث على وجه لو لا المانع لحدث ، وشكّ في وجود المانع.

وكذا لا فرق بين أن يكون اللزوم بينها (٢) وبين المستصحب كلّيّا

__________________

(١) في (ص) بدل «نظير» : «تشبه في الجملة».

(٢) كذا في النسخ ، والمناسب : «بينه» ، لرجوع الضمير إلى الأمر العادي.