درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۸۶: استصحاب ۸۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وبقاؤه قائما بهذا الموجود الباقي (١) ليس قياما بنفس ما قام به أوّلا ، حتّى يكون إثباته إبقاء ونفيه نقضا.

الشكّ في الحكم من جهة الشكّ في القيود المأخوذة في الموضوع

إذا عرفت ما ذكرنا ، فاعلم : أنّه كثيرا ما يقع الشكّ في الحكم من جهة الشكّ في أنّ موضوعه ومحلّه هو الأمر الزائل ولو بزوال قيده المأخوذ في موضوعيّته ، حتّى يكون الحكم مرتفعا ، أو هو الأمر الباقي ، والزائل ليس موضوعا ولا مأخوذا فيه ، فلو فرض شكّ في الحكم كان من جهة اخرى غير الموضوع ، كما يقال : إنّ حكم النجاسة في الماء المتغيّر ، موضوعه نفس الماء ، والتغيّر علّة محدثة للحكم ، فيشكّ في علّيّته للبقاء.

ما يميّز به القيود المأخوذة في الموضوع أحد امور

فلا بدّ من ميزان يميّز به القيود المأخوذة في الموضوع عن غيرها ، وهو أحد امور :

١ ـ العقل

الأوّل : العقل ، فيقال : إنّ مقتضاه كون جميع القيود قيودا للموضوع مأخوذة فيه ، فيكون الحكم ثابتا لأمر واحد يجمعها ؛ وذلك لأنّ كلّ قضيّة وإن كثرت قيودها المأخوذة فيها راجعة في الحقيقة إلى موضوع واحد ومحمول واحد ، فإذا شكّ في ثبوت الحكم السابق بعد زوال بعض تلك القيود ، سواء علم كونه قيدا للموضوع أو للمحمول أو لم يعلم أحدهما ، فلا يجوز الاستصحاب ؛ لأنّه إثبات عين الحكم السابق لعين الموضوع السابق ، ولا يصدق هذا مع الشكّ في أحدهما. نعم ، لو شكّ بسبب تغيّر الزمان المجعول ظرفا للحكم ـ كالخيار ـ لم يقدح في جريان الاستصحاب ؛ لأنّ الاستصحاب مبنيّ على إلغاء خصوصيّة الزمان الأوّل.

__________________

(١) لم ترد «الباقي» في (ظ).

فالاستصحاب في الحكم الشرعيّ لا يجري إلاّ في الشكّ من جهة الرافع ذاتا أو وصفا ، وفيما (١) كان من جهة مدخليّة الزمان. نعم ، يجري في الموضوعات الخارجيّة بأسرها.

ثمّ لو لم يعلم مدخليّة القيود في الموضوع كفى في عدم جريان الاستصحاب الشكّ في بقاء الموضوع ، على ما عرفت مفصّلا (٢).

لسان الدليل

الثاني : أن يرجع في معرفة الموضوع للأحكام إلى الأدلّة ، ويفرّق بين قوله : «الماء المتغيّر نجس» ، وبين قوله : «الماء ينجس إذا تغيّر» ، فيجعل الموضوع في الأوّل الماء المتلبّس بالتغيّر ، فيزول الحكم بزواله ، وفي الثاني نفس الماء فيستصحب النجاسة لو شكّ في مدخليّة التغيّر في بقائها ، وهكذا. وعلى هذا فلا يجري الاستصحاب فيما كان الشكّ من غير جهة الرافع إذا كان (٣) الدليل غير لفظيّ لا يتميّز فيه الموضوع ؛ لاحتمال مدخليّة القيد الزائل فيه.

٢ ـ العرف

الثالث : أن يرجع في ذلك إلى العرف ، فكلّ مورد يصدق عرفا أنّ هذا كان كذا سابقا جرى فيه الاستصحاب وإن كان المشار إليه لا يعلم بالتدقيق أو بملاحظة الأدلّة كونه موضوعا ، بل علم عدمه.

مثلا : قد ثبت بالأدلّة أنّ الإنسان طاهر والكلب نجس ، فإذا ماتا واطّلع أهل العرف على حكم الشارع عليهما بعد الموت ، فيحكمون (٤)

__________________

(١) في (ص) زيادة : «إذا».

(٢) راجع الصفحة ٢٩٣.

(٣) لم ترد «الشكّ من غير جهة الرافع إذا كان» في (ظ).

(٤) كذا في (ص) ، وفي غيره بدل «واطّلع ـ إلى ـ فيحكمون» : «حكم العرف».

بارتفاع طهارة الأوّل وبقاء نجاسة الثاني ، مع عدم صدق الارتفاع والبقاء فيهما بحسب التدقيق (١) ؛ لأنّ الطهارة والنجاسة كانتا محمولتين على الحيوانين المذكورين (٢) ، وقد ارتفعت الحيوانية بعد صيرورته جمادا.

ونحوه حكم العرف باستصحاب بقاء الزوجيّة بعد موت أحد الزوجين ، وقد تقدّم (٣) حكم العرف ببقاء كرّيّة ما كان كرّا سابقا ، ووجوب الأجزاء الواجبة سابقا قبل تعذّر بعضها ، واستصحاب السواد فيما علم زوال مرتبة معيّنة منه ويشكّ في تبدّله بالبياض أو بسواد خفيف ، إلى غير ذلك.

كلام الفاضلين تأييدا لكون الميزان نظر العرف

وبهذا الوجه يصحّ للفاضلين قدس‌سرهما ـ في المعتبر والمنتهى ـ الاستدلال على بقاء نجاسة الأعيان النجسة بعد الاستحالة : بأنّ النجاسة قائمة بالأعيان (٤) النجسة ، لا بأوصاف الأجزاء ، فلا تزول بتغيّر أوصاف محلّها ، وتلك الأجزاء باقية ، فتكون النجاسة باقية ؛ لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها (٥) ، انتهى كلام المعتبر.

واحتجّ فخر الدين للنجاسة : بأصالة بقائها ، وبأنّ الاسم أمارة ومعرّف ، فلا يزول الحكم بزواله (٦) ، انتهى.

__________________

(١) لم ترد «بحسب التدقيق» في (ظ).

(٢) في (ظ) ونسخة بدل (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «فلا معنى لصدق ارتفاع الأوّل وبقاء الثاني» ، وفي (ر) وردت هذه الزيادة بعد كلمة «الحيوانية».

(٣) راجع الصفحة ١٩٦ و ٢٨٠.

(٤) في غير (ه) بدل «بالأعيان» : «بالأشياء» ، وفي المعتبر : «بالأجزاء».

(٥) المعتبر ١ : ٤٥١ ، وانظر المنتهى ٣ : ٢٨٧.

(٦) إيضاح الفوائد ١ : ٣١.