درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۹۰: استصحاب ۹۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ودعوى : احتياج استفادة غير ما ذكر من ظاهر اللفظ إلى القرينة الخارجيّة ، وإلاّ فظاهر اللفظ كون القضيّة ما دام الوصف العنوانيّ ، لا تضرّنا فيما نحن بصدده ؛ لأنّ المقصود مراعاة العرف في تشخيص الموضوع وعدم الاقتصار في ذلك على ما يقتضيه العقل على وجه الدقّة ، ولا على ما يقتضيه الدليل اللفظيّ إذا كان العرف بالنسبة إلى القضيّة الخاصّة على خلافه.

وحينئذ ، فيستقيم أن يراد من قولهم : «إنّ الأحكام تدور مدار الأسماء» أنّ مقتضى ظاهر دليل الحكم تبعيّة ذلك الحكم لاسم الموضوع الذي علّق عليه الحكم في ظاهر الدليل ، فيراد من هذه القضيّة تأسيس أصل ، قد يعدل عنه بقرينة فهم العرف أو غيره ، فافهم.

[الأمر الثاني](١)

٢ ـ اشتراط الشكّ في البقاء

الأمر الثاني ممّا يعتبر في تحقّق الاستصحاب : أن يكون في حال الشكّ متيقّنا بوجود المستصحب في السابق ، حتّى يكون شكّه في البقاء.

فلو كان الشكّ في تحقّق نفس ما تيقّنه سابقا ـ كأن تيقّن عدالة زيد في زمان ، كيوم الجمعة مثلا ، ثمّ شكّ في نفس هذا المتيقّن ، وهو عدالته يوم الجمعة ، بأن زال مدرك اعتقاده السابق ، فشكّ في مطابقته للواقع ، أو كونه جهلا مركّبا ـ لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة ، ولا اصطلاحا.

__________________

(١) العنوان منّا.

الدليل على اعتبار هذا الشرط

أمّا الأوّل ، فلأنّ الاستصحاب ـ لغة ـ أخذ الشيء مصاحبا ، فلا بدّ من إحراز ذلك الشيء (١) حتّى يأخذه مصاحبا ، فإذا شكّ في حدوثه من أصله فلا استصحاب.

وأمّا اصطلاحا ، فلأنّهم اتّفقوا على أخذ الشكّ في البقاء ـ أو ما يؤدّي هذا المعنى ـ في معنى الاستصحاب.

قاعدة اليقين والشكّ الساري

نعم ، لو ثبت أنّ الشكّ بعد اليقين بهذا المعنى ملغى في نظر الشارع ، فهي قاعدة اخرى مباينة للاستصحاب ، سنتكلّم فيها (٢) بعد دفع توهّم من توهّم أنّ أدلّة الاستصحاب تشملها ، وأنّ مدلولها لا يختصّ بالشكّ في البقاء ، بل الشكّ بعد اليقين ملغى مطلقا (٣) ، سواء تعلّق بنفس ما تيقّنه سابقا ، أم ببقائه.

وأوّل من صرّح بذلك الفاضل السبزواري ـ في الذخيرة ـ في مسألة من شكّ في بعض أفعال الوضوء ، حيث قال :

تصريح الفاضل السبزواري بأنّ أدلّة الاستصحاب تشمل قاعدة «اليقين»

والتحقيق : أنّه إن فرغ من الوضوء متيقّنا للإكمال ، ثمّ عرض له الشكّ ، فالظاهر عدم وجوب إعادة شيء ؛ لصحيحة زرارة : «ولا تنقض اليقين أبدا بالشكّ» (٤) ، انتهى.

ولعلّه قدس‌سره ، تفطّن له من كلام الحلّيّ في السرائر ، حيث استدلّ على المسألة المذكورة : بأنّه لا يخرج عن حال الطهارة إلاّ على يقين من

__________________

(١) «الشيء» من (ص).

(٢) انظر الصفحة ٣١٠ ـ ٣١٣.

(٣) لم ترد «مطلقا» في (ظ).

(٤) الذخيرة : ٤٤.

كمالها ، وليس ينقض الشكّ اليقين (١) ، انتهى.

لكن هذا التعبير من الحلّيّ لا يلزم أن يكون استفاده من أخبار عدم نقض اليقين بالشكّ. ويقرب من هذا التعبير عبارة جماعة من القدماء (٢).

لكنّ التعبير لا يلزم دعوى شمول الأخبار للقاعدتين ، على ما توهّمه غير واحد من المعاصرين (٣) ، وإن اختلفوا بين مدّع لانصرافها إلى خصوص الاستصحاب (٤) ، وبين منكر له عامل بعمومها (٥).

دفع التوهّم المذكور وتوضيح مناط قاعدة الاستصحاب وقاعدة اليقين

وتوضيح دفعه : أنّ المناط في القاعدتين مختلف بحيث لا يجمعهما مناط واحد ؛ فإنّ مناط الاستصحاب هو اتّحاد متعلّق الشكّ واليقين مع قطع النظر عن الزمان ؛ لتعلّق الشكّ ببقاء ما تيقّن سابقا ، ولازمه كون القضيّة المتيقّنة ـ أعني عدالة زيد يوم الجمعة ـ متيقّنة حين الشكّ أيضا من غير جهة الزمان. ومناط هذه القاعدة اتّحاد متعلّقيهما من جهة الزمان ، ومعناه كونه في الزمان اللاحق شاكّا فيما تيقّنه سابقا بوصف

__________________

(١) السرائر ١ : ١٠٤.

(٢) انظر فقه الرضا : ٧٩ ، والمقنعة : ٤٩ ، والنهاية : ١٧ ، والغنية : ٦١.

(٣) مثل شريف العلماء في تقريرات درسه في ضوابط الاصول : ٣٧١ ، والسيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٥٧ ، والفاضل الدربندي في خزائن الاصول ، الورقة ٨٥ ، من فنّ الاستصحاب.

(٤) كشريف العلماء والسيّد المجاهد ، وفي (ظ) بدل «خصوص الاستصحاب» : «غيره».

(٥) كالفاضل الدربندي وكذا المحقّق السبزواري.

وجوده في السابق.

فإلغاء الشكّ في القاعدة الاولى عبارة عن الحكم ببقاء المتيقّن سابقا ـ حيث إنّه متيقّن ـ من غير تعرّض لحال حدوثه ، وفي القاعدة الثانية هو الحكم بحدوث ما تيقّن حدوثه من غير تعرّض لحكم بقائه ، فقد يكون بقاؤه معلوما أو معلوم العدم أو مشكوكا.

عدم إرادة القاعدتين من قوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه»

واختلاف مؤدّى القاعدتين (١) ، وإن لم يمنع من إرادتهما من كلام واحد ـ بأن يقول الشارع : إذا حصل بعد اليقين بشيء شكّ له تعلّق بذلك الشيء (٢) فلا عبرة به ، سواء تعلّق ببقائه أو بحدوثه ، واحكم بالبقاء في الأوّل ، وبالحدوث في الثاني ـ إلاّ أنّه مانع عن إرادتهما (٣) من قوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه» (٤) ؛ فإنّ المضيّ على اليقين السابق ـ المفروض تحقّقه في القاعدتين ـ أعني عدالة زيد يوم الجمعة ، بمعنى الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرّض لعدالته فيما بعده ـ كما هو مفاد القاعدة الثانية ـ يغاير المضيّ عليه بمعنى عدالته بعد يوم الجمعة من غير تعرّض لحال يوم الجمعة ـ كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب ـ فلا يصحّ إرادة المعنيين منه.

__________________

(١) في (ظ) بدل «القاعدتين» : «الإبقاءين».

(٢) في (ظ) بدل «بعد اليقين ـ إلى ـ الشيء» : «الشكّ بعد اليقين» ، وفي (ص) بدلها : «شكّ بعد يقين».

(٣) في (ص) ، (ه) و (ت) زيادة : «في هذا المقام».

(٤) المستدرك ١ : ٢٢٨ ، الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء ، ضمن الحديث ٤.