درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۳: تعارض استصحاب ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بقوله عليه‌السلام بعد ذلك : «كلّ شيء شكّ فيه ... الخ» كون السجود والقيام حدّا للغير الذي يعتبر الدخول فيه ، وأنّه لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى الركوع ، ومن الثاني بالنسبة إلى السجود ؛ إذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشكّ في الركوع ، والنهوض للقيام كافيا عند الشكّ في السجود ، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود والقيام ، ولم يكن وجه لجزم المشهور (١) بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائما.

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ ما ارتكبه بعض من تأخّر (٢) ، من التزام عموم «الغير» وإخراج الشكّ في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية ، ضعيف جدّا ؛ لأنّ الظاهر أنّ القيد وارد في مقام التحديد.

والظاهر أنّ التحديد بذلك توطئة للقاعدة ، وهي (٣) بمنزلة ضابطة كلّية ، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام ، فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم القيد (٤) عن عموم القاعدة؟!

عدم كفاية الدخول في مقدّمات الغير

فالأولى : أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم «الغير» فلا يكفي في الصلاة مجرّد الدخول ولو في فعل غير

__________________

(١) انظر مفتاح الكرامة ٣ : ٣٠٥ ، بل في الجواهر : «لم أعثر على مخالف في وجوب الرجوع» انظر الجواهر ١٢ : ٣٢٠.

(٢) كصاحبي الذخيرة والجواهر ، انظر الذخيرة : ٣٧٦ ، والجواهر ١٢ : ٣١٦ ـ ٣٢١.

(٣) في (ظ) زيادة : «له».

(٤) في (ه) بدل «القيد» : «الغير».

أصلي ، فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ.

الأقوى اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ

والأقوى : اعتبار الدخول في الغير وعدم كفاية مجرّد الفراغ ، إلاّ أنّه قد يكون الفراغ عن الشيء ملازما للدخول في غيره ، كما لو فرغ عن الصلاة والوضوء ؛ فإنّ حالة عدم الاشتغال بهما يعدّ مغايرة لحالهما وإن لم يشتغل بفعل وجوديّ ، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.

عدم صحّة التفصيل بين الصلاة والوضوء

وأمّا التفصيل بين الصلاة والوضوء ، بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء ولو مع الشكّ في الجزء الأخير منه ، فيردّه اتحاد الدليل في البابين (١) ؛ لأنّ ما ورد ، من قوله عليه‌السلام في من شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء : «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (٢) عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا ؛ ولذا استفيد منه حكم الغسل و (٣) الصلاة أيضا. وكذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة (٤) ، صدرها دالّ على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء ، وذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشكّ بمجرّد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء ، بل ظاهرها يأبى عن التقييد. وكذلك روايتا زرارة وأبي بصير المتقدّمتان (٥) آبيتان عن

__________________

(١) لم ترد «في البابين» في (ت).

(٢) تقدّم الحديث في الصفحة ٣٢٥.

(٣) في (ه) زيادة : «عمّ» ، وفي (ظ) زيادة : «يعمّ».

(٤) في الصفحة ٣٢٦.

(٥) المتقدّمتان في الصفحة ٣٢٦ ، والظاهر أنّ المراد برواية أبي بصير هي رواية إسماعيل بن جابر ، حيث رواها في الوافي (٨ : ٩٤٩ ، الحديث ٧٤٦٦ ـ ١١) عن التهذيب بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، ولكنّها ليست موجودة بهذا السند في التهذيب ، وانظر الجواهر ١٢ : ٣١٤.

التقييد.

وأصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء والصلاة قوله عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة (١) : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكّرا فأمضه».

__________________

(١) في الصفحة ٣٢٧.

الموضع الرابع

عدم جريان القاعدة في أفعال الطهارات الثلاث

قد خرج من الكلّيّة المذكورة أفعال الطهارات الثلاث ؛ فإنّهم أجمعوا (١) على أنّ الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به وإن دخل في فعل آخر ، وأمّا الغسل والتيمّم فقد صرّح بذلك فيهما بعضهم (٢) على وجه يظهر منه كونه من المسلّمات ، وقد نصّ على الحكم في الغسل جمع ممّن تأخّر عن المحقّق ، كالعلاّمة (٣) والشهيدين (٤) والمحقّق الثاني (٥) ، ونصّ غير واحد من هؤلاء (٦) على كون التيمّم كذلك.

مستند الخروج

وكيف كان ، فمستند الخروج ـ قبل الإجماع ـ الأخبار الكثيرة المخصّصة للقاعدة المتقدّمة. إلاّ أنّه يظهر من رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة (٧) ـ وهي قوله عليه‌السلام : «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء ، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء

__________________

(١) انظر الجواهر ٢ : ٣٥٤.

(٢) لعلّه صاحب الرياض في الرياض ١ : ٢٧٧ ، ولكنّه صرّح بذلك في الغسل دون التيمّم.

(٣) التذكرة ١ : ٢١٢ ، وفي غير (ر) زيادة : «وولده».

(٤) انظر تمهيد القواعد : ٣٠٥ ، ولم نعثر على ذلك في ما بأيدينا من كتب الشهيد الأوّل قدس‌سره.

(٥) جامع المقاصد ١ : ٢٣٧.

(٦) انظر التذكرة ١ : ٢١٢ ، وجامع المقاصد ١ : ٢٣٨.

(٧) المتقدّمة في الصفحة ٣٢٦.

ظاهر رواية ابن أبي يعفور أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة

لم تجزه» : أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة ، لا خارج عنها ، بناء على عود ضمير «غيره» إلى الوضوء ؛ لئلاّ يخالف الإجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء ، وحينئذ فقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ» مسوق لبيان قاعدة الشكّ المتعلّق بجزء من أجزاء العمل ، وأنّه إنّما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

الإشكال في ظاهر ذيل الرواية

هذا ، ولكنّ الاعتماد على ظاهر (١) ذيل الرواية مشكل ؛ من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر أنّ الشكّ الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد ، مضافا إلى أنّه معارض للأخبار السابقة فيما إذا شكّ في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه ؛ لأنّه باعتبار أنّه شكّ في وجود شيء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة ، ومن حيث إنّه شكّ في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

دفع الإشكال عن الرواية

ويمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال : إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه ـ وهي الطهارة ـ فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحياله حتّى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة ، ولا يلاحظ بعض أجزائه ـ كغسل اليد مثلا ـ شيئا مستقلا يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

وبالجملة : فإذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع

__________________

(١) لم ترد «ظاهر» في (ظ).