درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۴: تعارض استصحاب ۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ظاهر رواية ابن أبي يعفور أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة

لم تجزه» : أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة ، لا خارج عنها ، بناء على عود ضمير «غيره» إلى الوضوء ؛ لئلاّ يخالف الإجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء ، وحينئذ فقوله عليه‌السلام : «إنّما الشكّ» مسوق لبيان قاعدة الشكّ المتعلّق بجزء من أجزاء العمل ، وأنّه إنّما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

الإشكال في ظاهر ذيل الرواية

هذا ، ولكنّ الاعتماد على ظاهر (١) ذيل الرواية مشكل ؛ من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر أنّ الشكّ الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد ، مضافا إلى أنّه معارض للأخبار السابقة فيما إذا شكّ في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه ؛ لأنّه باعتبار أنّه شكّ في وجود شيء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة ، ومن حيث إنّه شكّ في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

دفع الإشكال عن الرواية

ويمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال : إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه ـ وهي الطهارة ـ فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحياله حتّى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة ، ولا يلاحظ بعض أجزائه ـ كغسل اليد مثلا ـ شيئا مستقلا يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

وبالجملة : فإذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع

__________________

(١) لم ترد «ظاهر» في (ظ).

أجزاءه أفعالا مستقلّة يجري فيها حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ ، لم يتوجّه شيء من الإشكالين في الاعتماد على الخبر ، ولم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة ؛ إذ الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلاّ شكّا واقعا في الشيء قبل التجاوز عنه. والقرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده (١).

عدم غرابة فرض الوضوء فعلا واحدا

ثمّ إنّ فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشكّ بالنسبة إلى أجزائه ، ليس أمرا غريبا ؛ فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة ؛ حيث لم يجروا حكم الشكّ بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتّى الكلمات والحروف ، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا ، بل جعل بعضهم القراءة فعلا واحدا (٢) ، وقد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهويّ للسجود والنهوض للقيام (٣).

وممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل والتيمّم بالوضوء في هذا الحكم (٤) ؛ إذ لا وجه له ظاهرا إلاّ ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض ، أعني «الطهارة».

__________________

(١) لم ترد «والقرينة ـ إلى ـ أو بعده» في (ظ).

(٢) الجاعل هو الشهيد الثاني في روض الجنان : ٣٥٠.

(٣) راجع الصفحة ٣٣٢ ـ ٣٣٣.

(٤) كما تقدّم في الصفحة ٣٣٦.

الموضع الخامس

هل تجري القاعدة في الشروط كما تجري في الأجزاء؟

ذكر بعض الأساطين (١) : أنّ حكم الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط ـ بل الدخول فيه ، بل الكون على هيئة الداخل ـ حكم الأجزاء في عدم الالتفات. فلا اعتبار بالشكّ في الوقت والقبلة واللباس والطهارة بأقسامها والاستقرار ونحوها ، بعد الدخول في الغاية. ولا فرق بين الوضوء وغيره ، انتهى. وتبعه بعض من تأخّر عنه (٢).

واستقرب ـ في مقام آخر ـ إلغاء الشكّ في الشرط بالنسبة إلى غير ما دخل فيه من الغايات (٣).

وما أبعد ما بينه وبين ما ذكره بعض الأصحاب (٤) : من اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط ، فأوجب إعادة المشروط.

الأقوى التفصيل

والأقوى : التفصيل بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه ؛ لعموم لغويّة الشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه ، وأمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في

__________________

(١) هو كاشف الغطاء في كشف الغطاء : ٢٧٨.

(٢) كصاحب الجواهر في الجواهر ٢ : ٣٦٣.

(٣) كشف الغطاء : ١٠٢.

(٤) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «كصاحب المدارك وكاشف اللثام» ، راجع الصفحة ٣١٢.

اعتبار الشكّ فيه ؛ لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه ، بل محلّه باق ، فالشكّ في تحقّق شرط هذا المشروط شكّ في الشيء قبل تجاوز محلّه.

وربما بنى بعضهم (١) ذلك على أنّ معنى عدم العبرة بالشكّ في الشيء بعد تجاوز المحلّ ، هو البناء على الحصول مطلقا ولو لمشروط آخر (٢) ، أو يختصّ بالمدخول.

معنى عدم العبرة بالشكّ بعد تجاوز المحلّ

أقول : لا إشكال في أنّ معناه البناء على حصول المشكوك فيه ، لكن بعنوانه الذي يتحقّق معه تجاوز المحلّ ، لا مطلقا. فلو شكّ في أثناء العصر في فعل الظهر بنى على تحقّق الظهر بعنوان أنّه شرط للعصر ولعدم وجوب العدول إليه ، لا على تحقّقه مطلقا ، حتّى لا يحتاج إلى إعادتها بعد فعل العصر. فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه إنّما فات محلّه من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقّق ، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.

ومن هنا يظهر أنّ الدخول في المشروط أيضا لا يكفي في إلغاء الشكّ في الشرط ، بل لا بدّ من الفراغ عنه ؛ لأنّ نسبة الشرط إلى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة ، وتجاوز محلّه باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية ، فلا بدّ من إحرازه للأجزاء المستقبلة.

نعم ، ربما يدّعى في مثل الوضوء : أنّ محلّ إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة لا عند كلّ جزء.

__________________

(١) هو كاشف الغطاء أيضا ، انظر كشف الغطاء : ١٠٢.

(٢) عبارة «مطلقا ولو لمشروط آخر» من (ه).