درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۸: تعارض استصحاب ۱۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تطيّرت فامض» (١).

الثالث : الإجماع القوليّ والعمليّ

الاستدلال بالإجماع القولي

أمّا القوليّ ، فهو مستفاد من تتبّع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة (٢) ، فإنّهم لا يختلفون في أنّ قول مدّعي الصحّة في الجملة مطابق للأصل وإن اختلفوا في ترجيحه على سائر الاصول ، كما ستعرف (٣).

الاستدلال بالإجماع العملي

وأمّا العمليّ ، فلا يخفى على أحد أنّ سيرة المسلمين في جميع الأعصار ، على حمل الأعمال على الصحيح ، وترتيب آثار الصحّة في عباداتهم ومعاملاتهم ، ولا أظنّ أحدا ينكر ذلك إلاّ مكابرة.

الرابع : العقل المستقلّ

الاستدلال بالعقل

الحاكم بأنّه لو لم يبن على هذا الأصل لزم اختلال نظام المعاد والمعاش ، بل الاختلال الحاصل من ترك العمل بهذا الأصل أزيد من الاختلال الحاصل من ترك العمل ب «يد المسلم».

مع أنّ الإمام عليه‌السلام قال لحفص بن غياث ـ بعد الحكم بأنّ اليد دليل الملك ، ويجوز الشهادة بالملك بمجرّد اليد ـ : «إنّه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» (٤) ، فيدلّ بفحواه على اعتبار أصالة الصحّة في أعمال

__________________

(١) البحار ٥٨ : ٣٢٠ ، ذيل الحديث ٩ ، وفيه : «ثلاث لا يسلم منها أحد ... الخ» ، راجع مبحث البراءة ٢ : ٣٧.

(٢) انظر عوائد الأيّام : ٢٢١ و ٢٢٢.

(٣) انظر الصفحة ٣٧٤.

(٤) الوسائل ١٨ : ٢١٥ ، الباب ٢٥ من أبواب كيفيّة الحكم ، الحديث ٢.

المسلمين ، مضافا إلى دلالته بظاهر اللفظ ؛ حيث إنّ الظاهر أنّ كلّ ما لولاه لزم الاختلال فهو حقّ ؛ لأنّ الاختلال باطل ، والمستلزم للباطل باطل ، فنقيضه حقّ ، وهو اعتبار أصالة الصحّة عند الشكّ في صحّة ما صدر عن الغير.

ويشير إليه أيضا : ما ورد من نفي الحرج (١) ، وتوسعة الدين (٢) ، وذمّ من ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم (٣)(٤).

__________________

(١) المائدة : ٦ ، والحجّ : ٧٨.

(٢) البقرة : ٢٨٦ ، وانظر روايات نفي الحرج ، وروايات التوسعة في عوائد الأيام : ١٧٤ ـ ١٨١.

(٣) الوسائل ٢ : ١٠٧١ ، الباب ٥٠ من أبواب النجاسات ، الحديث ٣.

(٤) في (ت) وحاشيتي (ص) و (ظ) زيادة ، كتب عليها في (ت): «زائد» ، وفي (ص): «نسخة» ، وفي (ظ): «صح» ، وهي ما يلي : «ويمكن الاستدلال بموثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو مملوك عندك وهو حرّ قد باع نفسه ، أو خدع فبيع ، أو قهر فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك ، والاشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة».

فإنّ الحكم بالحليّة عند الشك في الحرمة في هذه الأشياء لا يجمعها إلاّ أصالة الحلّ في تصرفات النّاس وعدم وجوب الاجتناب عنها إلاّ مع العلم أو قيام البيّنة ؛ وذلك لأنّ حلّ الثوب الذي اشتراه مع أصالة عدم تملكه له المقتضية لحرمة التصرف فيه لا وجه له إلاّ اصالة الصحة في تصرف البائع المقتضية للملك. فالحكم بالحلّ وعدم الحرمة ليس من جهة مجرد الشك في حلّ لبس

__________________

الثوب وحرمته نظير المشتبه بين الخلّ والخمر ، وإلاّ لكان الأصل فيه التحريم نظير المشتبه بين زوجته والاجنبيّة ، بل من حيث الاشتباه والشك في معاملة الثوب ، وترددها بين الصحيحة المملّكة وغيرها ، فموضوع هذا الحكم الظاهري هي المعاملة الواقعة على الثوب ، وإلاّ فلبس الثوب حلال من حيث كونه تصرفا في ملكه بعد الحكم الظاهري بكون المعاملة مملّكة لا من حيث الشك في كونه حلالا وحراما.

وكذا الكلام في العبد المشترى ، وكذا الحكم بحلّ المرأة المشتبهة بالأخت والرضيعة ليس من حيث مجرد التردد بين الحلال والحرام وإلاّ لكان الأصل عدم تحقق الزوجيّة بينهما ، بل من حيث الشك في العقد الواقع وأنّه كان صحيحا أم فاسدا.

والحاصل : أنّ ظاهر الرواية بقرينة الأمثلة إرادة ما يعمّ الحكم بالحلّ من حيث التصرف الموجب لرفع الحرمة الثابتة بأصالة فساد التصرف.

فإن قلت : لعلّ الحكم بحلّ التصرف في الثوب والعبد من جهة اليد وفي الامرأة من حيث أصالة عدم النسب والرضاع ، فلا يدلّ على أصالة الحلّ في التصرف من حيث هو.

قلت : ظاهر الرواية الحكم بثبوت الحلّ ظاهرا من جهة مجرّد التردد بين الجائز والممنوع ، لا من حيث قيام أمارة على الملك وعدم النسب.

فإن قلت : إنّ الرواية كما يشمل ما اذا شك في حلّ اكل خبز للشك في صحة شرائه الرافع لحرمة أكله قبل الشراء ، أو شك في حلّ الصلاة في الثوب المتنجس الذي غسله الغير للشك في صحّة غسله ، كذلك يشمل حل وطي امرأة ترددت بين الزوجة والأجنبية وحلّ التصرف في أمة ترددت بين أمته وأمة الغير. ولو بني على حكومة اصالة عدم الزوجية والملكية على ـ

وينبغي التنبيه على أمور :

الأوّل

هل يحمل فعل المسلم على الصحّة الواقعيّة أو الصحّة عند الفاعل؟

أنّ المحمول عليه فعل المسلم ، هل الصحّة باعتقاد الفاعل أو الصحّة الواقعيّة؟

__________________

مفاد هذه الرواية في هذين المثالين فليبن على أصالة عدمهما في مورد الرواية ، فلا بدّ أن يكون منشأ الحكم بالحلّ في الرواية أمارة حاكمة على أصالة العدم ، وهي اليد في الثوب والعبد ، وأصالة عدم النسب والرضاع في المرأة ، لا مجرد الشك في حلّ المعاملة الواقعة عليها وعدمه.

قلت : فرق واضح بين مورد الحكم بالحلّ في المثالين ومورده في أمثلة الرواية وسائر التصرفات المرددة بين الجائز والمحظور ؛ فإنّ الشك في المحل في المثالين مسبوق بالحرمة المتيقنة سابقا فيستصحب ، كما هو شأن تعارض أصل الإباحة مع استصحاب الحرمة ، بخلاف الشك في حلّ المعاملة الواقعة على الثوب والعبد والمرأة ؛ فإنّه غير مسبوق بالحرمة ، فالحكم بالرواية بجوازه ونفي الحظر عنه يرفع حرمة التصرف فيها المتيقنة سابقا قبل المعاملة.

والحاصل : أنّ أصالة الحرمة في مثالي المعترض حاكم على مؤدى الرواية ، والأمر في موارد الرواية على العكس.

هذا ما يقتضيه النظر عاجلا إلى أن يقع التأمّل».

فلو علم أنّ معتقد الفاعل ـ اعتقادا يعذر فيه ـ صحّة البيع أو النكاح بالفارسية (١) في العقد ، فشكّ فيما صدر عنه ، مع اعتقاد الشاكّ اعتبار العربيّة (٢) ، فهل يحمل على كونه واقعا بالعربيّة ، حتّى إذا ادّعي عليه أنّه أوقعه بالفارسيّة ، وادّعى هو أنّه أوقعه بالعربيّة ، فهل يحكم الحاكم المعتقد بفساد الفارسيّة ، بوقوعه بالعربيّة أم لا؟ وجهان ، بل قولان :

ظاهر المشهور الحمل على الصحّة الواقعيّة

ظاهر المشهور الحمل على الصحّة الواقعيّة (٣) ، فإذا شكّ المأموم في أنّ الإمام المعتقد بعدم وجوب السورة ، قرأها أم لا؟ جاز له الائتمام به ، وإن لم يكن له ذلك إذا علم بتركها.

ظاهر بعض المتأخّرين الحمل على الصحّة باعتقاد الفاعل

ويظهر من بعض المتأخّرين خلافه :

قال في المدارك في شرح قول المحقّق : «ولو اختلف الزوجان فادّعى أحدهما وقوع العقد في حال الإحرام وأنكر الآخر ، فالقول قول من يدّعي الإحلال ترجيحا لجانب الصحّة» ، قال :

إنّ الحمل على الصحّة إنّما يتمّ إذا كان المدّعي لوقوع الفعل في حال الإحرام عالما بفساد ذلك ، أمّا مع اعترافهما بالجهل ، فلا وجه للحمل على الصحّة (٤) ، انتهى.

ويظهر ذلك من بعض من عاصرناه (٥) ـ في اصوله وفروعه ـ حيث

__________________

(١) كذا صحّحناه ، وفي النسخ : «بالفارسيّ» ، وكذا فيما يلي.

(٢) كذا صححناه ، وفي النسخ : «بالعربيّ» ، وكذا في بعض الموارد فيما يلي.

(٣) انظر عوائد الأيّام : ٢٣٦.

(٤) المدارك ٧ : ٣١٥.

(٥) هو المحقّق القمّي قدس‌سره ، انظر القوانين ١ : ٥١ ، وجامع الشتات ٤ : ٣٧١ و ٣٧٢.

تمسّك لهذا الأصل بالغلبة.

بل ويمكن إسناد هذا القول إلى كلّ من استند في هذا الأصل إلى ظاهر حال المسلم ، كالعلاّمة (١) وجماعة ممّن تأخّر عنه (٢) ، فإنّه لا يشمل إلاّ (٣) صورة اعتقاد الصحّة ، خصوصا إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد أو تقليد أو قيام بيّنة أو غير ذلك.

والمسألة محلّ إشكال :

من إطلاق الأصحاب ، ومن عدم مساعدة أدلّتهم ؛ فإنّ العمدة الإجماع ولزوم الاختلال ، والإجماع الفتوائيّ مع ما عرفت مشكل ، والعمليّ في مورد العلم باعتقاد الفاعل للصحّة أيضا مشكل ، والاختلال يندفع بالحمل على الصحّة في غير المورد المذكور.

صور المسألة

وتفصيل المسألة : أنّ الشاكّ في الفعل الصادر من غيره :

إمّا أن يكون عالما بعلم الفاعل بصحيح الفعل وفاسده ، وإمّا أن يكون عالما بجهله وعدم علمه ، وإمّا أن يكون جاهلا بحاله.

١ ـ أن يعلم كون الفاعل عالما بالصحّة والفساد

فإن علم بعلمه بالصحيح والفاسد : فإمّا أن يعلم بمطابقة اعتقاده لاعتقاد الشاكّ ، أو يعلم مخالفته ، أو يجهل الحال.

لا إشكال في الحمل في الصورة الاولى.

وأمّا الثانية ، فإن لم يتصادق اعتقادهما بالصحّة في فعل ـ كأن

__________________

(١) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٢١٨ و ٤٨٣.

(٢) كالشهيدين قدس‌سرهما في الدروس ١ : ٣٢ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٨ ، وتمهيد القواعد : ٣١٢ ، والمسالك ١ : ٢٣٩ و ٦ : ١٧٤ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥ : ١١٩ و ١٠ : ١٣٥ ، و ١٢ : ٤٦٣.

(٣) «إلاّ» من (ه).