درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱۰: تعارض استصحاب ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قدّم قول الصبيّ ـ إلى أن قال ـ : وإن لم يعيّنا وقتا ، فالقول قول الضامن بيمينه ، وبه قال الشافعيّ ؛ لأصالة عدم البلوغ. وقال أحمد : القول قول المضمون له ؛ لأنّ الأصل صحّة الفعل (١) وسلامته ، كما لو اختلفا في شرط مبطل. والفرق : أنّ المختلفين في الشرط المفسد يقدّم فيه قول مدّعي الصحّة ؛ لاتفاقهما على أهليّة التصرّف ؛ إذ (٢) من له أهليّة التصرّف لا يتصرّف إلاّ تصرّفا صحيحا ، فكان القول قول مدّعي الصحّة ؛ لأنّه مدّع للظاهر ، وهنا اختلفا في أهليّة التصرّف ، فليس مع من يدّعي الأهليّة ظاهر يستند إليه ولا أصل يرجع إليه. وكذا لو ادّعى أنّه ضمن بعد البلوغ وقبل الرشد (٣) ، انتهى موضع الحاجة.

لكن لم يعلم الفرق بين دعوى الضامن الصغر وبين دعوى البائع إيّاه ، حيث صرّح العلاّمة والمحقّق الثاني بجريان أصالة الصحّة ، وإن اختلفا بين من (٤) عارضها بأصالة عدم البلوغ ، وبين من (٥) ضعّف هذه المعارضة.

وقد حكي عن قطب الدين (٦) : أنّه اعترض على شيخه العلاّمة في

__________________

(١) في المصدر بدل «الفعل» : «العقد».

(٢) في المصدر بدل «إذ» : «والظاهر أنّ».

(٣) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٨٧.

(٤) وهو العلاّمة ، انظر قواعد الأحكام ٢ : ٩٧.

(٥) وهو المحقّق الثاني ، انظر جامع المقاصد ٤ : ٤٥٢.

(٦) حكاه الشهيد عن القطب ، كما في مفتاح الكرامة ٥ : ٣٦١ ، ولم نقف عليه في كتب الشهيد.

مسألة الضمان بأصالة الصحّة ، فعارضها بأصالة عدم البلوغ ، وبقي (١) أصالة البراءة سليمة عن المعارض.

الأقوى التعميم وعدم اعتبار استكمال الأركان

أقول : والأقوى بالنظر إلى الأدلّة السابقة ـ من السيرة ولزوم الاختلال ـ : هو التعميم. ولذا لو شكّ المكلّف أنّ هذا الذي اشتراه هل اشتراه في حال صغره؟ بنى على الصحّة. ولو قيل : إنّ ذلك من حيث الشكّ في تمليك البائع البالغ ، وأنّه كان في محلّه أم كان فاسدا ، جرى مثل ذلك في مسألة التداعي أيضا.

المناقشة فيما ذكره المحقق الثاني

ثمّ (٢) إنّ ما ذكره جامع المقاصد : من أنّه لا وجود للعقد قبل استكمال أركانه ، إن أراد الوجود الشرعيّ فهو عين الصحّة ، وإن أراد الوجود العرفيّ فهو متحقّق مع الشكّ ، بل مع القطع بالعدم.

وأمّا ما ذكره : من الاختلاف في كون المعقود عليه هو الحرّ أو العبد (٣) ، فهو داخل في المسألة المعنونة في كلام القدماء والمتأخّرين ، وهي

__________________

(١) في (ص) و (ظ): «وأبقى».

(٢) في (ص) بدل «ثمّ» : «مع».

(٣) في (ظ) ، (ت) و (ص) زيادة ما يلي : «فإن أراد به حرّا معيّنا كزيد وعبدا معيّنا كسعيد ، فإن كان الدعوى على مجرّد تمليك أحدهما ، بأن قال أحدهما لمولى العبد : ملّكتني عبدك ، وقال المولى : ملّكتك زيدا الحرّ ، فلا إشكال في كون القول قول منكر تمليك العبد ؛ لأنّ صاحبه يدّعي تمليك عبده ، فيحلف على عدمه ، وأمّا هو فلا يدّعي على صاحبه شيئا ؛ لأنّ دعوى تمليك الحرّ لا يتضمّن مطالبة المدّعي بشيء ، وإن أراد به التداعي في كون أحد العوضين للآخر المملوك حرّا أو عبدا» ، وكتب في (ت) و (ص) على هذه الزيادة : «زائد».

ما لو قال : بعتك بعبد ، فقال : بل بحرّ ، فراجع كتب الفاضلين (١) والشهيدين (٢).

وأمّا ما ذكره : من أنّ الظاهر إنّما يتمّ مع الاستكمال المذكور لا مطلقا ، فهو إنّما يتمّ إذا كان الشكّ من جهة بلوغ الفاعل ، ولم يكن هناك طرف آخر معلوم البلوغ يستلزم صحّة فعله صحّة فعل هذا الفاعل ، كما لو شكّ في أنّ الإبراء أو الوصيّة هل صدر منه حال البلوغ أم قبله؟ أمّا إذا كان الشكّ في ركن آخر من العقد ، كأحد العوضين ، أو في أهليّة أحد طرفي العقد ، فيمكن أن يقال : إنّ الظاهر من الفاعل في الأوّل ، ومن الطرف الآخر في الثاني ، أنّه لا يتصرّف فاسدا.

نعم ، مسألة الضمان يمكن أن يكون من الأوّل ، إذا فرض وقوعه بغير إذن من المديون ، ولا قبول من الغريم ؛ فإنّ الضمان حينئذ فعل واحد شكّ في صدوره من بالغ أو غيره ، وليس له طرف آخر ، فلا ظهور في عدم كون تصرّفه فاسدا.

لكنّ الظاهر : أنّ المحقّق لم يرد خصوص ما كان من هذا القبيل ، بل يشمل كلامه الصورتين الأخيرتين ، فراجع. نعم ، يحتمل ذلك في عبارة التذكرة.

__________________

(١) انظر شرائع الإسلام ٢ : ٣٣ ، وقواعد الأحكام ٢ : ٩٦.

(٢) انظر المسالك ٣ : ٢٦٧ ، ولكن لم نعثر عليه في ما بأيدينا من كتب الشهيد الأوّل. نعم ، حكاه صاحب الجواهر في الجواهر (٢٣ : ١٩٥) عن الحواشي المنسوبة للشهيد على القواعد. وفي (ظ) زيادة : «وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله».

ثمّ إنّ تقديم قول منكر الشرط المفسد ليس لتقديم قول مدّعي الصحّة ، بل لأنّ القول قول منكر الشرط ، صحيحا كان أو فاسدا ؛ لأصالة عدم الاشتراط ، ولا دخل لهذا بحديث أصالة الصحّة وإن كان مؤدّاه صحّة العقد فيما كان الشرط المدّعى مفسدا. هذا ، ولا بدّ من التأمّل والتتبّع.