درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱۵: تعارض استصحاب ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بقي الكلام في أصالة الصحّة في الأقوال والاعتقادات

أصالة الصحّة في الأقوال

أمّا الأقوال ، فالصحّة فيها تكون من وجهين :

الأوّل : من حيث كونه حركة من حركات المكلّف ، فيكون الشكّ من حيث كونه مباحا أو محرّما. ولا إشكال في الحمل على الصحّة من هذه الحيثيّة.

الثاني : من حيث كونه كاشفا عن مقصود المتكلّم.

والشكّ من هذه الحيثيّة يكون من وجوده :

أحدها : من جهة أنّ المتكلّم بذلك القول قصد الكشف بذلك عن معنى ، أم لم يقصد ، بل تكلّم به من غير قصد لمعنى؟ ولا إشكال في أصالة الصحّة من هذه الحيثيّة بحيث لو ادّعى كون التكلّم لغوا أو غلطا لم يسمع منه.

الثاني : من جهة أنّ المتكلّم صادق في اعتقاده ومعتقد بمؤدّى ما يقوله ، أم هو كاذب في هذا التكلّم في اعتقاده؟ ولا إشكال في أصالة الصحّة هنا أيضا. فإذا أخبر بشيء جاز نسبة اعتقاد مضمون الخبر إليه ، ولا يسمع دعوى أنّه غير معتقد لما يقوله. وكذا إذا قال : افعل كذا ، جاز أن يسند إليه أنّه طالبه في الواقع ، لا أنّه مظهر للطلب صورة لمصلحة كالتوطين ، أو لمفسدة (١). وهذان الأصلان ممّا قامت عليهما السيرة القطعيّة ، مع إمكان إجراء ما سلف : من أدلّة تنزيه فعل

__________________

(١) في (ظ) ونسخة بدل (ص) بدل «مظهر ـ إلى ـ لمفسدة» : «كاذب في إظهار الطلب».

المسلم عن القبيح في المقام. لكنّ المستند فيه ليس تلك الأدلّة.

الثالث : من جهة كونه صادقا في الواقع أو كاذبا. وهذا معنى حجّيّة خبر المسلم لغيره ، فمعنى حجّيّة خبره صدقه. والظاهر عدم الدليل على وجوب الحمل على الصحيح بهذا المعنى ، والظاهر عدم الخلاف في ذلك ؛ إذ لم يقل أحد بحجّيّة كلّ خبر صدر من مسلم ، ولا دليل يفي بعمومه عليه ، حتّى نرتكب دعوى خروج ما خرج بالدليل (١).

وربما يتوهّم : وجود الدليل العامّ ، من مثل الأخبار المتقدّمة (٢) الآمرة بوجوب حمل أمر المسلم على أحسنه ، وما دلّ على وجوب تصديق المؤمن وعدم اتّهامه عموما ، وخصوص قوله عليه‌السلام : «إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم» ، وغير ذلك ممّا ذكرنا في بحث حجّيّة خبر الواحد ، وذكرنا عدم دلالتها (٣).

مع أنّه لو فرض دليل عامّ على حجّيّة خبر كلّ مسلم ، كان الخارج منه أكثر من الداخل ؛ لقيام الإجماع على عدم اعتباره في الشهادات ولا في الروايات إلاّ مع شروط خاصّة ، ولا في الحدسيّات والنظريّات إلاّ في موارد خاصّة ، مثل الفتوى وشبهها.

نعم يمكن أن يدّعى : أنّ الأصل في خبر العدل الحجّيّة ؛ لجملة

__________________

(١) في أكثر النسخ زيادة : «من الداخل» ، ولكنّها لم ترد في (ن) ، وشطب عليها في (خ).

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٣٤٦ ـ ٣٤٧.

(٣) راجع مبحث الظنّ ١ : ٢٩١ ـ ٢٩٥.

ممّا (١) ذكرناه في أخبار الآحاد ، وذكرنا ما يوجب تضعيف ذلك ، فراجع (٢).

أصالة الصحّة في الاعتقادات

وأمّا الاعتقادات ، فنقول :

إذا كان الشكّ في أنّ اعتقاده ناش عن مدرك صحيح من دون تقصير عنه في مقدّماته ، أو من مدرك فاسد لتقصير منه في مقدّماته ، فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح ؛ لظاهر بعض ما مرّ : من وجوب حمل امور المسلمين على الحسن دون القبيح.

وأمّا إذا شكّ في صحّته بمعنى المطابقة للواقع ، فلا دليل على وجوب الحمل على ذلك ، ولو ثبت ذلك أوجب حجّيّة كلّ خبر أخبر به المسلم ؛ لما عرفت (٣) : من أنّ الأصل في الخبر كونه كاشفا عن اعتقاد المخبر.

أمّا لو ثبت حجّيّة خبره :

فقد يعلم أنّ العبرة باعتقاده بالمخبر به ، كما في المفتي وغيره ممّن يعتبر نظره في المطلب ، فيكون خبره كاشفا عن الحجّة لا نفسها.

وقد يعلم من الدليل حجّيّة خصوص إخباره بالواقع ، حتّى لا يقبل منه قوله : اعتقد بكذا.

وقد يدلّ الدليل على حجّيّة خصوص شهادته المتحقّقة تارة بالإخبار عن الواقع ، واخرى بالإخبار بعلمه.

__________________

(١) في (ت) و (ه) بدل «ممّا» : «ما».

(٢) راجع مبحث الظنّ ١ : ٢٥٤ ـ ٢٦٢.

(٣) في الصفحة ٣٨١.

والمتّبع في كلّ مورد ما دلّ عليه الدليل ، وقد يشتبه مقدار دلالة الدليل.

ويترتّب على ما ذكرنا قبول تعديلات أهل الرجال المكتوبة في كتبهم ، وصحّة التعويل في العدالة على اقتداء العدلين.