درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۱۸: تعارض استصحاب ۲۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

حكومة دليل الاستصحاب على قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي»

فالأولى في الجواب أن يقال : إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق ، فقوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ» يدلّ على أنّ النهي الوارد لا بدّ من إبقائه وفرض عمومه للزمان اللاحق وفرض الشيء في الزمان اللاحق ممّا ورد فيه النهي أيضا. فمجموع الرواية المذكورة ودليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول : كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي ، وكلّ نهي ورد في شيء فلا بدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله ، فيكون الرخصة في الشيء وإطلاقه. مغيّا بورود النهي ، المحكوم عليه بالدوام وعموم الأزمان ، فكان مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر في مورد الشكّ لو لا النهي ، وهذا معنى الحكومة ، كما سيجيء في باب التعارض (١).

ولا فرق فيما ذكرنا بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة ، بل الأمر في الشبهة الموضوعيّة أوضح ؛ لأنّ الاستصحاب الجاري فيها جار في الموضوع ، فيدخل في الموضوع المعلوم الحرمة.

مثلا : استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير عند الشكّ في بقاء حرمته لأجل الشكّ في الذهاب ، يدخله في العصير قبل ذهاب ثلثيه المعلوم حرمته بالأدلّة ، فيخرج عن قوله : «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام».

الإشكال في بعض أخبار أصالة البراءة في الشبهة الموضوعيّة

نعم ، هنا إشكال في بعض أخبار أصالة البراءة في الشبهة الموضوعيّة ، وهو قوله عليه‌السلام في الموثّقة : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب عليك (٢) ولعلّه

__________________

(١) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ١٣.

(٢) في المصدر : «يكون عليك قد اشتريته».

سرقة ، والمملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو قهر (١) فبيع ، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك. والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غيره ، أو تقوم به البيّنة» (٢).

فإنّه قد استدلّ بها جماعة ، كالعلاّمة ـ في التذكرة (٣) ـ وغيره (٤) على أصالة الإباحة ، مع أنّ أصالة الإباحة هنا معارضة باستصحاب حرمة التصرّف في هذه الأشياء المذكورة في الرواية ، كأصالة عدم التملّك في الثوب ، والحريّة في المملوك ، وعدم تأثير العقد في الامرأة. ولو اريد من الحلّيّة في الرواية ما يترتّب على أصالة الصحّة في شراء الثوب والمملوك ، وأصالة عدم تحقّق النسب (٥) والرضاع في المرأة ، كان خروجا عن الإباحة الثابتة بأصالة الإباحة ، كما هو ظاهر الرواية (٦). وقد ذكرنا

__________________

(١) في المصدر بدل «أو قهر فبيع» : «أو خدع فبيع قهرا».

(٢) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٣) التذكرة (الطبعة الحجريّة) ١ : ٥٨٨.

(٤) كالوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة : ٣٩٩ ، والفاضل النراقي في المناهج : ٢١١ و ٢١٦.

(٥) في نسخة بدل (ص) بدل «النسب» : «الحلّ».

(٦) في (خ) زيادة كتب عليها : «زائد» ، وشطب عليها في (ت) ، وهي ما يلي : «إلاّ أن يقال : إنّ إباحة العقد على الثوب والمملوك والمرأة المستفادة من مثل : (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) وقوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) مطابقة لمقتضى الأصل ، فالمراد إباحة هذه الأعيان من حيث إباحة تملّكها بالعقد ، ويقابله المحرّمات بهذا الاعتبار كالمحارم ، وهذا الأصل حاكم على أصل له عدم تأثر العقد ، فافهم».

في مسألة أصالة البراءة بعض الكلام في هذه الرواية ، فراجع (١) ، والله الهادي.

هذا كلّه حال قاعدة البراءة.

وأمّا استصحابها ، فهو لا يجامع استصحاب التكليف ؛ لأنّ الحالة السابقة إمّا وجود التكليف أو عدمه ، إلاّ على ما عرفت سابقا (٢) : من ذهاب بعض المعاصرين إلى إمكان تعارض استصحابي الوجود والعدم في موضوع (٣) واحد ، وتمثيله لذلك بمثل : صم يوم الخميس.

الثاني : تعارض قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب

ورود الاستصحاب على قاعدة الاشتغال

ولا إشكال ـ بعد التأمّل ـ في ورود الاستصحاب عليها ؛ لأنّ المأخوذ في موردها بحكم العقل الشكّ في براءة الذمّة بدون الاحتياط ، فإذا قطع بها بحكم الاستصحاب فلا مورد للقاعدة. كما لو أجرينا استصحاب وجوب التمام أو القصر في بعض الموارد التي يقتضي الاحتياط الجمع فيها بين القصر والتمام ، فإنّ استصحاب وجوب أحدهما وعدم وجوب الآخر مبرئ قطعيّ لذمّة المكلّف عند الاقتصار على مستصحب الوجوب.

هذا حال القاعدة ، وأمّا استصحاب الاشتغال في مورد القاعدة

__________________

(١) راجع مبحث البراءة ٢ : ١٢٠.

(٢) راجع الصفحة ٢٠٨.

(٣) في نسخة بدل (ت): «موضع».

ـ على تقدير الإغماض عمّا ذكرنا سابقا (١) ، من أنّه غير مجد في مورد القاعدة لإثبات ما يثبته القاعدة ـ فسيأتي حكمها في تعارض الاستصحابين.

وحاصله : أنّ الاستصحاب الوارد على قاعدة الاشتغال حاكم على استصحابه.

الثالث : [تعارض قاعدة](٢) التخيير [مع الاستصحاب](٣)

ورود الاستصحاب على قاعدة التخيير

ولا يخفى ورود الاستصحاب عليه ؛ إذ لا يبقى معه التحيّر الموجب للتخيير. فلا يحكم بالتخيير بين الصوم والإفطار في اليوم المحتمل كونه من شوّال مع استصحاب عدم الهلال ، ولذا فرّع الإمام عليه‌السلام قوله : «صم للرؤية وأفطر للرؤية» على قوله : «اليقين لا يدخله الشكّ» (٤).

__________________

(١) راجع الصفحة ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢ و ٣) الزيادة منّا.

(٤) تقدّم الحديث في الصفحة ٧١.