درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۴: تعارض استصحاب ۲۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

من جهة الأخبار المعلّلة (١) لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بالتذكية (٢). وهو حسن لو لم يترتّب عليه من أحكام الميتة إلاّ حرمة الأكل ، ولا أظنّ أحدا يلتزمه ، مع أنّ المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة ، لا التحريم تعبّدا ؛ ولذا استفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه (٣).

تصريح بعضهم بالجمع بين الاستصحابين «السببي والمسبّبي»

ثمّ إنّ بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام (٤) صرّح بالجمع بينهما ، فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة والماء طاهرا.

عدم صحّة الجمع

ويرد عليه : أنّه لا وجه (٥) للجمع في مثل هذين الاستصحابين ؛ فإنّ الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتيب آثار الطهارة من رفع الحدث والخبث به ، فلا ريب أنّ نسبة استصحاب بقاء الحدث والخبث إلى استصحاب طهارة الماء ، بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية. وكذا الحكم بموت الصيد ، فإنّه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك والمنع عن استصحابه في الصلاة ، فلا ريب أنّ استصحاب طهارة الملاقي واستصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق

__________________

(١) انظر الوسائل ١٦ : ٢١٥ ، الباب ٥ من أبواب الصيد ، الحديث ٢.

(٢) كذا في (ت) ، وفي غيره : «بتذكيته».

(٣) كالتسمية ، لما ورد من النهي عن الأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه في سورة الأنعام : ١٢١.

(٤) كالعلاّمة في بعض كتبه كما تقدّم ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦ ، والسيد الصدر في شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

(٥) في (ر) ، (ظ) ونسخة بدل (ص): «لا معنى».

روحه ، نسبتهما إليه كنسبة استصحاب طهارة الماء إليه.

وممّا ذكرنا يظهر النظر فيما ذكره في الإيضاح ـ تقريبا للجمع بين الأصلين ـ في الصيد الواقع في الماء القليل ، من أنّ لأصالة الطهارة حكمين : طهارة الماء ، وحلّ الصيد ، ولأصالة الموت حكمان : لحوق أحكام الميتة للصيد ، ونجاسة الماء ، فيعمل بكلّ من الأصلين في نفسه لأصالته (١) ، دون الآخر لفرعيّته فيه (٢) ، انتهى.

وليت شعري! هل نجاسة الماء إلاّ من أحكام الميتة؟ فأين الأصالة والفرعيّة؟

وتبعه في ذلك بعض من عاصرناه (٣) ، فحكم في الجلد المطروح بأصالة الطهارة وحرمة الصلاة فيه. ويظهر ضعف ذلك ممّا تقدّم (٤).

وأضعف من ذلك حكمه في الثوب الرطب المستصحب النجاسة المنشور على الأرض ، بطهارة الأرض ؛ إذ لا دليل على أنّ النجس بالاستصحاب منجّس (٥).

وليت شعري! إذا لم يكن النجس بالاستصحاب منجّسا ، ولا الطاهر به مطهّرا ، فكان كلّ ما ثبت بالاستصحاب لا دليل على ترتيب آثار الشيء الواقعيّ عليه ؛ لأنّ الأصل عدم تلك الآثار ، فأيّ فائدة في الاستصحاب؟!

__________________

(١) في المصدر زيادة : «فيه».

(٢) إيضاح الفوائد ١ : ٢٤ و ٢٥.

(٣) هو المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ٧٦ و ٧٩.

(٤) في الصفحة السابقة.

(٥) القوانين ٢ : ٧٩.

قال في الوافية في شرائط الاستصحاب :

الخامس : أن لا يكون هناك استصحاب آخر في أمر ملزوم لعدم ذلك المستصحب. مثلا : إذا ثبت في الشرع أنّ الحكم بكون الحيوان ميتة يستلزم الحكم بنجاسة الماء القليل الواقع ذلك الحيوان فيه ، فلا يجوز الحكم باستصحاب طهارة الماء ولا نجاسة الحيوان ، في مسألة : «من رمى صيدا فغاب ، ثمّ وجده في ماء قليل ، يمكن استناد موته إلى الرمي وإلى الماء». وأنكر بعض الأصحاب (١) ثبوت هذا التلازم وحكم بكلا الأصلين : بنجاسة الصيد ، وطهارة الماء (٢) ، انتهى.

دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعيّ على الحكميّ

ثمّ اعلم : أنّه قد حكى بعض مشايخنا المعاصرين (٣) عن الشيخ علي في حاشية الروضة : دعوى الإجماع على تقديم الاستصحاب الموضوعيّ على الحكميّ.

ولعلّها مستنبطة حدسا من بناء العلماء واستمرار السيرة على ذلك ، فلا يعارض أحد استصحاب كرّية الماء باستصحاب بقاء النجاسة فيما يغسل به ، ولا استصحاب القلّة باستصحاب طهارة الماء الملاقي للنجس ، ولا استصحاب حياة الموكّل باستصحاب فساد تصرّفات وكيله.

المناقشة في دعوى الإجماع

لكنّك قد عرفت فيما تقدّم (٤) من الشيخ والمحقّق خلاف ذلك.

هذا ، مع أنّ الاستصحاب في الشكّ السببيّ دائما من قبيل

__________________

(١) كفخر الدين والمحقق الثاني وغيرهما ، كما تقدّم.

(٢) الوافية : ٢١٠.

(٣) هو شريف العلماء ، انظر تقريرات درسه في ضوابط الاصول : ٣٨٦.

(٤) راجع الصفحة ٤٠١.

الموضوعيّ بالنسبة إلى الآخر ؛ لأنّ زوال المستصحب (١) الآخر من أحكام بقاء المستصحب بالاستصحاب السببيّ ، فهو له من قبيل الموضوع للحكم ، فإنّ طهارة الماء من أحكام الموضوع الذي حمل عليه زوال النجاسة عن المغسول به ، وأيّ فرق بين استصحاب طهارة الماء واستصحاب كرّيّته؟

هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ في أحدهما مسبّبا عن الشكّ في الآخر.

وأمّا القسم الثاني :

إذا كان الشكّ في كليهما مسبّبا عن أمر ثالث

وهو ما إذا كان الشكّ في كليهما مسبّبا عن أمر ثالث ، فمورده ما إذا علم ارتفاع أحد الحادثين لا بعينه وشكّ في تعيينه :

صور المسألة

فإمّا أن يكون العمل بالاستصحابين مستلزما لمخالفة قطعيّة عمليّة لذلك العلم الإجماليّ ـ كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الطاهرين ـ وإمّا أن لا يكون.

وعلى الثاني : فإمّا أن يقوم دليل من الخارج (٢) على عدم الجمع ـ كما في الماء النجس المتمّم كرّا بماء طاهر ؛ حيث قام الإجماع على اتّحاد حكم الماءين ـ أو لا.

وعلى الثاني : إمّا أن يترتّب أثر شرعيّ على كلّ من المستصحبين في الزمان اللاحق ـ كما في استصحاب بقاء الحدث وطهارة البدن في من

__________________

(١) في (ت) ، (ص) و (ظ) زيادة : «بالاستصحاب» ، وكتب فوقه في (ت) : «نسخة».

(٢) في (ظ) بدل «من الخارج» : «عقلي أو نقلي».