درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۶: تعارض استصحاب ۲۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

إعمال التراجيح بين الأدلّة الاجتهاديّة ، كما ادّعاه صريحا بعضهم (١).

لكنّك عرفت ـ فيما مضى ـ عدم الدليل على الاستصحاب من غير جهة الأخبار الدالّة على كونه حكما ظاهريّا ، فلا ينفع ولا يقدح فيه موافقة الأمارات الواقعيّة ومخالفتها.

هذا كلّه مع الإغماض عمّا سيجيء (٢) : من عدم شمول «لا تنقض» للمتعارضين ، وفرض شمولها (٣) لهما من حيث الذات ، نظير شمول آية النبأ من حيث الذات للخبرين المتعارضين وإن لم يجب العمل بهما فعلا ؛ لامتناع ذلك بناء على المختار في إثبات الدعوى الثانية ، فلا وجه لاعتبار المرجّح أصلا ؛ لأنّه إنّما يكون مع التعارض وقابليّة المتعارضين في أنفسهما للعمل.

٢ ـ أنّ الحكم هو التساقط دون التخيير والدليل عليه

الثانية : أنّه إذا لم يكن مرجّح فالحقّ التساقط دون التخيير ، لا لما ذكره بعض المعاصرين (٤) : من أنّ الأصل في تعارض الدليلين التساقط ؛ لعدم تناول دليل حجّيّتهما لصورة التعارض ـ لما تقرّر في باب التعارض (٥) ، من أنّ الأصل في المتعارضين التخيير إذا كان اعتبارهما

__________________

(١) هو العلاّمة في النهاية في مبحث «القول بالأشبه» ، انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٣٩.

(٢) في الصفحة اللاحقة.

(٣) في (ت): «شموله».

(٤) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٨٣ ، وسيأتي تفصيله في مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ٣٣.

(٥) انظر مبحث التعادل والتراجيح ٤ : ٣٧.

من باب التعبّد لا من باب الطريقيّة (١) ـ بل لأنّ العلم الإجماليّ هنا بانتقاض أحد اليقينين (٢) يوجب خروجهما عن مدلول «لا تنقض» ؛ لأنّ قوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين مثله» يدلّ على حرمة النقض بالشكّ ووجوب النقض باليقين ، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين ، فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ ؛ لأنّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله ، ولا إبقاء أحدهما المعيّن ؛ لاشتراك الآخر معه في مناط الدخول من غير مرجّح ، وأمّا أحدهما المخيّر فليس من أفراد العامّ ؛ إذ ليس فردا ثالثا غير الفردين المتشخّصين في الخارج ، فإذا خرجا لم يبق شيء. وقد تقدّم نظير ذلك في الشبهة المحصورة (٣) ، وأنّ قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» لا يشمل شيئا من المشتبهين.

وربما يتوهّم : أنّ عموم دليل الاستصحاب نظير قوله : «أكرم العلماء» ، و «أنقذ كلّ غريق» ، و «اعمل بكلّ خير» ، في أنّه إذا تعذّر العمل بالعامّ في فردين متنافيين لم يجز طرح كليهما ، بل لا بدّ من العمل بالممكن ـ وهو أحدهما تخييرا ـ وطرح الآخر ؛ لأنّ هذا غاية المقدور ، ولذا ذكرنا في باب التعارض (٤) : أنّ الأصل في الدليلين المتعارضين مع فقد الترجيح التخيير بالشرط المتقدّم لا التساقط. والاستصحاب أيضا

__________________

(١) لم ترد «إذا كان اعتبارهما من باب التعبّد لا من باب الطريقيّة» في (ظ).

(٢) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما بدل «اليقينين» : «الضدّين».

(٣) راجع مبحث الاشتغال ٢ : ٢٠١ و ٢١١.

(٤) انظر مباحث التعادل والتراجيح ٤ : ٣٥ ـ ٣٧.

أحد الأدلّة ، فالواجب العمل باليقين السابق بقدر الإمكان ، فإذا تعذّر العمل باليقينين من جهة تنافيهما وجب العمل بأحدهما ، ولا يجوز طرحهما.

ويندفع هذا التوهّم : بأنّ عدم التمكّن من العمل بكلا الفردين إن كان لعدم القدرة على ذلك مع قيام المقتضي للعمل فيهما فالخارج هو غير المقدور ، وهو العمل بكلّ منهما مجامعا مع العمل بالآخر ، وأمّا فعل أحدهما المنفرد عن الآخر فهو مقدور فلا يجوز تركه. وفي ما نحن فيه ليس كذلك ؛ إذ بعد العلم الإجماليّ لا يكون المقتضي لحرمة نقض كلا اليقينين موجودا منع عنها (١) عدم القدرة.

نعم مثال هذا في الاستصحاب أن يكون هناك استصحابان بشكّين مستقلّين امتنع شرعا أو عقلا العمل بكليهما (٢) من دون علم إجماليّ بانتقاض أحد المستصحبين بيقين الارتفاع ، فإنّه يجب حينئذ العمل بأحدهما المخيّر وطرح الآخر ، فيكون الحكم الظاهريّ مؤدّى أحدهما.

وإنّما لم نذكر هذا القسم في أقسام تعارض الاستصحابين ؛ لعدم العثور على مصداق له ؛ فإنّ الاستصحابات المتعارضة يكون التنافي بينها من جهة اليقين بارتفاع أحد المستصحبين ، وقد عرفت (٣) أنّ عدم العمل بكلا الاستصحابين ليس مخالفة لدليل الاستصحاب سوّغها العجز ؛ لأنّه نقض اليقين باليقين ، فلم يخرج عن عموم «لا تنقض» عنوان ينطبق

__________________

(١) كذا في (ت) و (ظ) ، وفي غيرهما : «عنهما».

(٢) في (ه) و (ص) بدل «امتنع شرعا أو عقلا العمل بكليهما» : «ورد المنع تعبّدا عن الجمع بينهما».

(٣) تقدم ذلك آنفا.