درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۸: تعارض استصحاب ۳۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

مقتضى القاعدة الرجوع إلى الاحتياط فيهما ، وفيما تقدّم من مسألة الماء النجس المتمّم كرّا الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، وهكذا.

وممّا ذكرنا يظهر : أنّه لا فرق في التساقط بين أن يكون في كلّ من الطرفين أصل واحد ، وبين أن يكون في أحدهما أزيد من أصل واحد. فالترجيح بكثرة الاصول بناء على اعتبارها من باب التعبّد لا وجه له ؛ لأنّ المفروض أنّ العلم الإجماليّ يوجب خروج جميع مجاري الاصول عن مدلول «لا تنقض» على ما عرفت (١). نعم يتّجه الترجيح بناء على اعتبار الاصول من باب الظنّ النوعيّ.

وأمّا الصورة الثالثة ، وهي ما يعمل فيه بالاستصحابين.

٣ – لو ترتّب أثرً شرعي على كلا المستصحبين

فهو ما كان العلم الإجماليّ بارتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثّر شيئا ، فمخالفته لا توجب مخالفة عمليّة لحكم شرعيّ ، كما لو توضّأ اشتباها بمائع مردّد بين البول والماء ، فإنّه يحكم ببقاء الحدث وطهارة الأعضاء استصحابا لهما. وليس العلم الإجماليّ بزوال أحدهما مانعا من ذلك ؛ إذ الواحد المردّد بين الحدث وطهارة اليد (٢) لا يترتّب عليه حكم شرعيّ حتّى يكون ترتيبه مانعا عن العمل بالاستصحابين ، ولا يلزم من الحكم بوجوب الوضوء وعدم غسل الأعضاء مخالفة عمليّة لحكم شرعيّ أيضا. نعم ، ربما يشكل ذلك في الشبهة الحكميّة. وقد ذكرنا ما عندنا في المسألة في مقدّمات حجّيّة الظنّ ، عند التكلّم في حجّية العلم (٣).

__________________

(١) راجع الصفحة ٤١١.

(٢) في (ص) بدل «اليد» : «البدن».

(٣) راجع مبحث القطع ١ : ٨٤ ـ ٨٧.

٤ ـ لو ترتّب أثرً على أحدهما دون الآخر

وأمّا الصورة الرابعة ، وهي ما يعمل فيه بأحد الاستصحابين. فهو ما كان أحد المستصحبين المعلوم ارتفاع أحدهما ممّا يكون موردا لابتلاء المكلّف دون الآخر ، بحيث لا يتوجّه على المكلّف تكليف منجّز يترتّب أثر شرعيّ عليه. وفي الحقيقة هذا خارج عن تعارض الاستصحابين ؛ إذ قوله : «لا تنقض اليقين» لا يشمل اليقين الذي لا يترتّب عليه في حقّ المكلّف أثر شرعيّ بحيث لا تعلّق له به أصلا ، كما إذا علم إجمالا بطروء الجنابة عليه أو على غيره ، وقد تقدّم أمثلة ذلك (١).

ونظير هذا كثير ، مثل : أنّه علم إجمالا بحصول التوكيل من الموكّل ، إلاّ أنّ الوكيل يدّعي وكالته في شيء ، والموكّل ينكر توكيله في ذلك الشيء ، فإنّه لا خلاف في تقديم قول الموكّل ؛ لأصالة عدم توكيله فيما يدّعيه الوكيل ، ولم يعارضه أحد بأنّ الأصل عدم توكيله فيما يدّعيه الموكّل أيضا.

وكذا لو تداعيا في كون النكاح دائما أو منقطعا ، فإنّ الأصل عدم النكاح الدائم من حيث إنّه سبب للإرث ووجوب النفقة والقسم. ويتّضح ذلك بتتبّع كثير من فروع التنازع في أبواب الفقه.

ولك أن تقول بتساقط الأصلين في هذه المقامات والرجوع إلى الاصول الأخر الجارية في لوازم المشتبهين ، إلاّ أنّ ذلك إنّما يتمشّى في استصحاب الامور الخارجيّة ، أمّا مثل أصالة الطهارة في كلّ من واجدي المنيّ فإنّه لا وجه للتساقط هنا.

__________________

(١) راجع مبحث الاشتغال ٢ : ٢٣٣ ـ ٢٣٥.

ثمّ لو فرض في هذه الأمثلة أثر لذلك الاستصحاب الآخر ، دخل في القسم الأوّل (١) إن كان الجمع بينه وبين الاستصحاب مستلزما لطرح علم إجماليّ معتبر في العمل ، ولا عبرة بغير المعتبر ، كما في الشبهة الغير المحصورة. وفي القسم الثاني (٢) إن لم يكن هناك مخالفة عمليّة لعلم إجماليّ معتبر.

فعليك بالتأمّل في موارد اجتماع يقينين سابقين مع العلم الإجماليّ ـ من عقل أو شرع أو غيرهما ـ بارتفاع أحدهما وبقاء الآخر.

والعلماء وإن كان ظاهرهم الاتفاق على عدم وجوب الفحص في إجراء الاصول في الشبهات الموضوعيّة ، ولازمه جواز إجراء المقلّد لها بعد أخذ فتوى جواز الأخذ بها من المجتهد ، إلاّ أنّ تشخيص سلامتها عن الاصول الحاكمة عليها ليس وظيفة كلّ أحد ، فلا بدّ إمّا من قدرة المقلّد على تشخيص الحاكم من الاصول على غيره منها ، وإمّا من أخذ خصوصيّات الاصول السليمة عن الحاكم من المجتهد ، وإلاّ فربما يلتفت إلى الاستصحاب المحكوم من دون التفات إلى الاستصحاب الحاكم.

وهذا يرجع في الحقيقة إلى تشخيص الحكم الشرعيّ ، نظير تشخيص حجّيّة أصل الاستصحاب وعدمها. عصمنا الله وإخواننا من الزلل ، في القول والعمل ، بجاه محمّد وآله المعصومين ، صلوات الله عليهم أجمعين.

__________________

(١) في (ص) بدل «القسم الأوّل» : «إحدى الصورتين الاوليين» ، وفي نسخة بدلها كما أثبتنا.

(٢) في (ص): «الصورة الثالثة» ، وفي نسخة بدلها كما أثبتنا.