درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۸: قطع حاصل از مقدمات عقلیه ۹

 

نهيتكم عنه» (١) ـ ثمّ أدركنا ذلك الحكم إمّا بالعقل المستقلّ وإمّا بواسطة مقدّمة عقليّة ، نجزم من ذلك بأنّ ما استكشفناه بعقولنا صادر عن الحجّة صلوات الله عليه ، فيكون الإطاعة بواسطة الحجّة.

إلاّ أن يدّعى : أنّ الأخبار المتقدّمة وأدلّة وجوب الرجوع إلى الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين تدلّ على مدخليّة تبليغ الحجّة وبيانه في طريق الحكم ، وأنّ كلّ حكم لم يعلم من طريق السماع عنهم عليهم‌السلام ولو بالواسطة فهو غير واجب الإطاعة ، وحينئذ فلا يجدي مطابقة الحكم المدرك لما صدر عن الحجّة عليه‌السلام.

لكن قد عرفت عدم دلالة الأخبار (٢) ، ومع تسليم ظهورها فهو أيضا من باب تعارض النقل الظنّي مع العقل القطعي ؛ ولذلك لا فائدة مهمّة في هذه المسألة ؛ إذ بعد ما قطع العقل بحكم وقطع بعدم رضا الله جلّ ذكره بمخالفته ، فلا يعقل ترك العمل بذلك ما دام هذا القطع باقيا ، فكلّ ما دلّ على خلاف ذلك فمؤوّل أو مطروح.

عدم جواز الركون إلى العقل فيما يتعلّق بمناطات الأحكام

نعم ، الإنصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلّق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام ، موجب للوقوع في الخطأ كثيرا في نفس الأمر ، وإن لم يحتمل ذلك عند المدرك ، كما يدلّ عليه الأخبار الكثيرة الواردة بمضمون : «أنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٣) ، و «أنّه لا شيء أبعد عن دين الله من عقول

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث ٢.

(٢) راجع الصفحة ٦٠.

(٣) تقدّم الحديث في الصفحة السابقة.

الناس» (١).

وأوضح من ذلك كلّه : رواية أبان بن تغلب عن الصادق عليه‌السلام : «قال : قلت : رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة ، كم فيها من الدية؟ قال : عشر من الإبل. قال : قلت : قطع إصبعين؟ قال : عشرون. قلت : قطع ثلاثا؟ قال : ثلاثون. قلت : قطع أربعا؟ قال : عشرون. قلت : سبحان الله! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟! كان يبلغنا هذا ونحن بالعراق ، فقلنا : إنّ الذي جاء به شيطان! قال عليه‌السلام : مهلا يا أبان ، هذا حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت (٢) إلى النصف ، يا أبان ، إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست محق الدين» (٣).

وهي وإن كانت ظاهرة في توبيخ أبان على ردّ الرواية الظنّية ـ التي سمعها في العراق ـ بمجرّد استقلال عقله بخلافه ، أو على تعجّبه ممّا حكم به الإمام عليه‌السلام ؛ من جهة مخالفته لمقتضى القياس (٤) ، إلاّ أنّ مرجع الكلّ إلى التوبيخ على مراجعة العقل في استنباط الأحكام ، فهو توبيخ على المقدّمات المفضية إلى مخالفة الواقع.

__________________

(١) لم نعثر على هذا المضمون في المجاميع الحديثية ، نعم ورد في الوسائل ما يقرب منه ، انظر الوسائل ١٨ : ١٤٩ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٩ و ٧٣.

(٢) كذا في المصادر الحديثية ، وفي النسخ : «بلغ الثلث رجع».

(٣) الوسائل ١٩ : ٢٦٨ ، الباب ٤٤ من أبواب ديات الأعضاء ، الحديث الأوّل.

(٤) في (ظ) و (م) بدل «لمقتضى القياس» : «للقياس».