درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۵۸: مقصد دوم ظن ۲

 

إذ لا يؤمن أن يكون ما أخبر بحلّيته حراما وبالعكس.

وهذا الوجه ـ كما ترى ـ جار في مطلق الظنّ ، بل في مطلق الأمارة الغير العلميّة وإن لم يفد الظنّ.

استدلال المشهور على الإمكان

واستدلّ المشهور على الإمكان : بأنّا نقطع بأنّه لا يلزم من التعبّد به محال (١).

وفي هذا التقرير نظر ؛ إذ القطع بعدم لزوم المحال في الواقع موقوف على إحاطة العقل (٢) بجميع الجهات المحسّنة والمقبّحة وعلمه (٣) بانتفائها ، وهو غير حاصل فيما نحن فيه.

الأولى في وجه الاستدلال

فالأولى أن يقرّر هكذا : إنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة ، وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان.

المناقشة في أدلّة ابن قبة

والجواب عن دليله الأوّل : أنّ الإجماع إنّما قام على عدم الوقوع ، لا على الامتناع.

مع أنّ عدم الجواز قياسا على الإخبار عن الله تعالى ـ بعد تسليمه (٤) ـ إنّما (٥) هو فيما إذا بني تأسيس الشريعة اصولا و (٦) فروعا على

__________________

(١) انظر العدّة ١ : ١٠٣.

(٢) كذا في (ر) و (ص) ، وفي غيرهما : «العقول».

(٣) في (ت) و (ه) : «علمها».

(٤) في (ر) و (ص) : «بعد تسليم صحّة الملازمة».

(٥) وردت في (ظ) ، (ل) و (م) بدل عبارة : «مع أنّ ـ إلى ـ إنّما» : «مع أنّ الإجماع على عدم الجواز إنّما».

(٦) في (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «أو».

العمل بخبر الواحد (١) ، لا مثل (٢) ما نحن فيه ممّا ثبت أصل الدين وجميع فروعه بالأدلّة القطعيّة ، لكن عرض اختفاؤها (٣) من جهة العوارض و (٤) إخفاء الظالمين للحقّ.

وأمّا دليله الثاني ، فقد اجيب عنه (٥) :

تارة : بالنقض بالامور الكثيرة الغير المفيدة للعلم ، كالفتوى والبيّنة واليد ، بل القطع أيضا ؛ لأنّه قد يكون جهلا مركّبا.

واخرى : بالحلّ ، بأنّه إن اريد تحريم الحلال الظاهري أو عكسه فلا نسلّم لزومه ، وإن اريد تحريم الحلال الواقعي ظاهرا فلا نسلّم امتناعه.

الأولى في الجواب عن دليله الثاني

والأولى أن يقال : إنّه إن أراد امتناع التعبّد (٦) بالخبر في المسألة التي انسدّ فيها باب العلم بالواقع ، فلا يعقل المنع عن العمل به ، فضلا عن امتناعه ؛ إذ مع فرض عدم التمكّن من العلم بالواقع إمّا أن يكون للمكلّف حكم في تلك الواقعة ، وإمّا أن لا يكون له فيها حكم ، كالبهائم والمجانين.

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) زيادة : «عن الله سبحانه» ، وفي (ه) زيادة : «عن الله».

(٢) في (ت) و (ه) بدل «مثل» : «في».

(٣) في (ص) و (ل) زيادة : «في الجملة».

(٤) لم ترد «العوارض و» في (ت) ، (ظ) ، (ل) و (م) ، نعم وردت في نسخة بدل (ت).

(٥) انظر الفصول : ٢٧١.

(٦) في (ظ) و (م) : «امتناع العمل».

فعلى الأوّل ، فلا مناص عن إرجاعه إلى ما لا يفيد العلم من الاصول أو الأمارات الظنيّة التي منها خبر (١) الواحد.

وعلى الثاني ، يلزم ترخيص فعل الحرام الواقعي وترك الواجب الواقعي ، وقد فرّ المستدلّ منهما.

فإن التزم أنّ مع عدم التمكّن من العلم لا وجوب ولا تحريم ؛ لأنّ الواجب والحرام ما علم بطلب فعله أو تركه.

قلنا : فلا يلزم من التعبّد بالخبر تحليل حرام أو عكسه.

وكيف كان : فلا نظنّ بالمستدلّ إرادة الامتناع في هذا الفرض ، بل الظاهر أنّه يدّعي الانفتاح ؛ لأنّه أسبق من السيّد وأتباعه الذين ادّعوا انفتاح باب العلم.

وممّا ذكرنا ظهر : أنّه لا مجال للنقض عليه بمثل الفتوى ؛ لأنّ المفروض انسداد باب العلم على المستفتي ، وليس له شيء أبعد من تحريم الحلال وتحليل الحرام من العمل بقول المفتي ، حتّى أنّه لو تمكّن من الظنّ الاجتهادي فالأكثر على عدم جواز العمل بفتوى الغير (٢).

وكذلك نقضه بالقطع مع احتمال كونه في الواقع جهلا مركّبا ؛ فإنّ باب هذا الاحتمال منسدّ على القاطع.

وإن أراد الامتناع مع انفتاح باب العلم والتمكّن منه في مورد العمل بالخبر ، فنقول :

التعبّد بالخبر على وجهين : الطريقيّة والسببيّة

إنّ التعبّد بالخبر حينئذ يتصوّر على وجهين :

__________________

(١) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «الخبر».

(٢) لم ترد «حتّى أنّه ـ إلى ـ بفتوى الغير» في (ظ) ، (ل) و (م).