درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۶: تعبد به ظن ۷

 

وأمّا مع التمكّن من العلم في المسألة ؛ فعدم (١) جواز الاكتفاء فيها بتحصيل الظنّ ووجوب تحصيل اليقين ، مبنيّ على القول بوجوب تحصيل الواقع علما ، أمّا إذا ادّعي أنّ العقل لا يحكم بأزيد من وجوب تحصيل الظنّ ، وأنّ الضرر الموهوم لا يجب دفعه ، فلا دليل على لزوم تحصيل العلم مع التمكّن.

الاستدلال على أصالة الحرمة بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ

ثمّ إنّه ربما يستدلّ على أصالة حرمة العمل بالظنّ بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ (٢) ، وقد أطالوا الكلام في النقض والإبرام في هذا المقام (٣) بما لا ثمرة مهمّة في ذكره بعد ما عرفت.

لأنّه إن اريد الاستدلال بها على حرمة التعبّد والالتزام والتديّن بمؤدّى الظنّ ، فقد عرفت (٤) أنّه من ضروريّات العقل ، فضلا عن تطابق الأدلّة الثلاثة النقليّة عليه.

وإن اريد دلالتها على حرمة العمل المطابق للظنّ وإن لم يكن عن استناد إليه :

فإن اريد حرمته إذا خالف الواقع مع التمكّن من العلم به ، فيكفي في ذلك الأدلّة الواقعية.

وإن اريد حرمته إذا خالف الاصول مع عدم التمكّن من العلم ، فيكفي فيه ـ أيضا ـ أدلّة الاصول ؛ بناء على ما هو التحقيق : من أنّ

__________________

(١) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «فلأنّ عدم».

(٢) يونس : ٣٦ ، والإسراء : ٣٦.

(٣) انظر مفاتيح الاصول : ٤٥٣ ، ومناهج الأحكام : ٢٥٥.

(٤) راجع الصفحة ١٢٥ ـ ١٢٦.

مجاريها صور عدم العلم الشامل للظنّ.

وإن اريد حرمة العمل المطابق للظنّ من دون استناد إليه وتديّن به ، وعدم مخالفة العمل للواقع مع التمكّن منه ولا لمقتضى الاصول مع العجز عن الواقع ، فلا دلالة فيها ولا في غيرها على حرمة ذلك ، ولا وجه لحرمته أيضا.

والظاهر : أنّ مضمون الآيات هو التعبّد بالظنّ والتديّن به ، وقد عرفت أنّه ضروريّ التحريم ، فلا مهمّ في إطالة الكلام في دلالة الآيات وعدمها.

موضوع هذه الرسالة هي الظنون المعتبرة الخارجة عن الأصل المتقدّم

إنّما المهمّ ـ الموضوع له هذه الرسالة (١) ـ بيان ما خرج أو قيل بخروجه من هذا الأصل ، من الامور الغير العلميّة الّتي اقيم الدليل على اعتبارها مع قطع النظر عن انسداد باب العلم الذي جعلوه موجبا للرجوع إلى الظنّ مطلقا أو في الجملة ، وهي امور :

__________________

(١) في (ه) بدل «هذه الرسالة» : «هذا المقصد».

[الأمارات المستعملة في استنباط الأحكام]

[من ألفاظ الكتاب والسنّة](١)

منها : الأمارات المعمولة في استنباط الأحكام الشرعيّة من ألفاظ الكتاب والسنّة.

وهي على قسمين :

القسم الأوّل : ما يعمل لتشخيص مراد المتكلّم عند احتمال إرادته خلاف ذلك ، كأصالة الحقيقة عند احتمال إرادة المجاز ، وأصالة العموم والإطلاق ، ومرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة الصارفة عن المعنى الذي يقطع بإرادة المتكلّم الحكيم له لو حصل القطع بعدم القرينة ، وكغلبة استعمال المطلق في الفرد الشائع بناء على عدم وصوله إلى حدّ الوضع ، وكالقرائن المقاميّة التي يعتمدها أهل اللسان (٢) في محاوراتهم ، كوقوع الأمر عقيب توهّم الحظر ، ونحو ذلك ، وبالجملة : الامور المعتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم بحيث لو أراد المتكلّم القاصد للتفهيم خلاف مقتضاها من دون نصب قرينة معتبرة ، عدّ ذلك منه قبيحا.

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ظ) و (م) بدل «أهل اللسان» : «العقلاء» ، وفي (ت) و (ه) : «عقلاء أهل اللسان».