درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۱۶: اجماع منقول ۹

 

إرجاع كلّ دليل إلى أحد الأدلّة المعروفة بين الفريقين ، أعني الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، ففي إطلاق الإجماع على هذا مسامحة في مسامحة.

مسامحة اخرى في إطلاق الإجماع

وحاصل المسامحتين : إطلاق الإجماع على اتّفاق طائفة يستحيل بحكم العادة خطأهم وعدم وصولهم إلى حكم الإمام عليه‌السلام.

والاطّلاع على تعريفات الفريقين واستدلالات الخاصّة وأكثر العامّة على حجّية الإجماع ، يوجب القطع بخروج هذا الإطلاق عن المصطلح وبنائه على المسامحة ؛ لتنزيل وجود من خرج عن هذا الاتّفاق منزلة عدمه ، كما قد عرفت من السيّد والفاضلين قدّست أسرارهم (١) : من أنّ كلّ جماعة ـ قلّت أو كثرت ـ علم دخول قول الإمام عليه‌السلام فيهم ، فإجماعها حجّة.

ويكفيك في هذا : ما سيجيء (٢) من المحقّق الثاني في تعليق الشرائع : من دعوى الإجماع على أنّ خروج الواحد من علماء العصر قادح في انعقاد الإجماع. مضافا إلى ما عرفت (٣) : من إطباق الفريقين على تعريف الإجماع باتّفاق الكلّ.

لا ضير في المسامحتين

ثمّ إنّ المسامحة من الجهة الاولى أو الثانية في إطلاق لفظ «الإجماع» على هذا من دون قرينة لا ضير فيها ؛ لأنّ العبرة في الاستدلال بحصول العلم من الدليل للمستدلّ (٤).

__________________

(١) راجع الصفحة ١٨٥ ـ ١٨٦.

(٢) انظر الصفحة ١٩٦.

(٣) راجع الصفحة ١٨٤.

(٤) لم ترد «للمستدلّ» في (ه).

نعم ، لو كان نقل الإجماع المصطلح حجّة عند الكلّ (١) كان إخفاء القرينة في الكلام الذي هو المرجع للغير تدليسا ، أمّا لو لم يكن نقل الإجماع حجّة ، أو كان نقل مطلق الدليل القطعيّ حجّة ، لم يلزم تدليس أصلا.

كلام صاحب المعالم رحمه‌الله والمناقشة فيه

ويظهر من ذلك : ما في كلام صاحب المعالم رحمه‌الله ، حيث إنّه بعد ما (٢) ذكر أنّ حجّية الإجماع إنّما هي لاشتماله على قول المعصوم ، واستنهض بكلام المحقّق الذي تقدّم (٣) ، واستجوده ، قال :

والعجب من غفلة جمع من الأصحاب عن هذا الأصل وتساهلهم في دعوى الإجماع عند احتجاجهم به للمسائل الفقهيّة ، حتّى جعلوه عبارة عن اتّفاق جماعة من الأصحاب ، فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من دون نصب قرينة جليّة ، ولا دليل لهم على الحجّية يعتدّ به (٤) ، انتهى.

وقد عرفت (٥) : أنّ مساهلتهم وتسامحهم في محلّه ؛ بعد ما كان مناط حجّية الإجماع الاصطلاحيّ موجودا في اتّفاق جماعة من الأصحاب. وعدم تعبيرهم عن هذا الاتّفاق بغير لفظ «الإجماع» ؛ لما عرفت (٦) من التحفّظ على عناوين الأدلّة المعروفة بين الفريقين.

__________________

(١) في (ص) و (ه) زيادة : «أو الأكثر».

(٢) لم ترد «ما» في (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) ، وورد بدلها في (ظ) : «أن».

(٣) أي كلام المحقّق في المعتبر المتقدّم في الصفحة ١٨٦.

(٤) المعالم : ١٧٤.

(٥) راجع الصفحة السابقة.

(٦) راجع الصفحة ١٨٨.

إذا عرفت ما ذكرنا ، فنقول :

أنحاء حكاية الإجماع

إنّ الحاكي للاتّفاق قد ينقل الإجماع بقول مطلق ، أو مضافا إلى المسلمين ، أو الشيعة ، أو أهل الحقّ ، أو غير ذلك ممّا يمكن أن يراد به دخول الإمام عليه‌السلام في المجمعين.

وقد ينقله مضافا إلى من عدا الإمام عليه‌السلام ، كقوله : أجمع علماؤنا أو أصحابنا أو فقهاؤنا أو فقهاء أهل البيت عليهم‌السلام ؛ فإنّ ظاهر ذلك من عدا الإمام عليه‌السلام ، وإن كان إرادة العموم محتملة بمقتضى المعنى اللغويّ ، لكنّه مرجوح.

فإن أضاف الإجماع إلى من عدا الإمام عليه‌السلام فلا إشكال في عدم حجّية نقله ؛ لأنّه لم ينقل حجّة ، وإن فرض حصول العلم للناقل بصدور الحكم عن الإمام عليه‌السلام من جهة هذا الاتّفاق ، إلاّ أنّه إنّما نقل سبب العلم ، ولم ينقل المعلوم وهو قول الإمام عليه‌السلام حتّى يدخل في نقل الحجّة وحكاية السنّة بخبر الواحد.

نعم ، لو فرض أنّ السبب المنقول ممّا يستلزم عادة موافقة قول الإمام عليه‌السلام أو وجود دليل ظنّيّ معتبر حتّى بالنسبة إلينا ، أمكن إثبات ذلك السبب المحسوس بخبر العادل ، والانتقال منه إلى لازمه ، لكن سيجيء بيان الإشكال في تحقّق ذلك (١).

وفي حكم الإجماع المضاف إلى من عدا الإمام عليه‌السلام : الإجماع المطلق المذكور في مقابل الخلاف ، كما يقال : خرء الحيوان الغير المأكول غير الطير نجس إجماعا ، وإنّما اختلفوا في خرء الطير ، أو يقال : إنّ محلّ

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٠٢ و ٢١٧.