درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۳۰: اجماع منقول ۲۳

 

كلام الشهيد في الذكري

وهو في غاية المتانة. لكنّك عرفت (١) ما وقع من جماعة من المسامحة في إطلاق لفظ «الإجماع» ، وقد حكى في المعالم عن الشهيد : أنّه أوّل كثيرا من الاجماعات ـ لأجل مشاهدة المخالف في مواردها ـ بإرادة الشهرة ، أو بعدم الظفر بالمخالف حين دعوى الإجماع ، أو بتأويل الخلاف على وجه لا ينافي الإجماع ، أو بإرادة الإجماع على الرواية وتدوينها في كتب الحديث (٢) ، انتهى.

كلام المحدّث المجلسي في البحار

وعن المحدّث المجلسيّ قدس‌سره في كتاب الصلاة من البحار بعد ذكر معنى الإجماع ووجه حجّيّته عند الأصحاب :

إنّهم لمّا رجعوا إلى الفقه كأنّهم نسوا ما ذكروه في الاصول ـ ثمّ أخذ في الطعن على إجماعاتهم إلى أن قال : ـ فيغلب على الظنّ أنّ مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الاصول (٣) ، انتهى.

المناقشة في ما أفادة الشهيد والمجلسي

والتحقيق : أنّه لا حاجة إلى ارتكاب التأويل في لفظ «الإجماع» بما ذكره الشهيد ، ولا إلى ما ذكره المحدّث المذكور (٤) قدس‌سرهما ، من تغاير مصطلحهم في الفروع والاصول ، بل الحقّ : أنّ دعواهم للاجماع في الفروع مبنيّ على استكشاف الآراء ورأي الإمام عليه‌السلام إمّا من حسن الظنّ بجماعة من السلف ، أو من امور تستلزم ـ باجتهادهم ـ إفتاء العلماء بذلك وصدور الحكم عن الإمام عليه‌السلام أيضا.

__________________

(١) راجع الصفحة ١٨٦ ـ ١٨٧.

(٢) انظر المعالم : ١٧٤ ، والذكرى ١ : ٥١.

(٣) البحار ٨٩ : ٢٢٢.

(٤) لم ترد في (م) : «المذكور».

وليس في هذا مخالفة لظاهر لفظ «الإجماع» حتّى يحتاج إلى القرينة ، ولا تدليس ؛ لأنّ دعوى الإجماع ليست (١) لأجل اعتماد الغير عليه وجعله دليلا يستريح إليه في المسألة.

نعم ، قد يوجب التدليس من جهة نسبة الفتوى إلى العلماء ، الظاهرة في وجدانها في كلماتهم ، لكنّه يندفع بأدنى تتبّع في الفقه ، ليظهر أنّ مبنى ذلك على استنباط المذهب ، لا على وجدانه مأثورا.

والحاصل : أنّ المتتبّع في الاجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم أمارات كثيرة ، باستناد دعوى الناقلين للاجماع ـ خصوصا إذا أرادوا به اتّفاق علماء جميع الأعصار كما هو الغالب في إجماعات المتأخّرين ـ إلى الحدس الحاصل من حسن الظنّ بجماعة ممّن تقدّم على الناقل ، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه (٢) ، مع ثبوت الملازمة باجتهاد الناقل واعتقاده.

وعلى هذا ينزّل الإجماعات المتخالفة من العلماء مع اتّحاد العصر أو تقارب العصرين ، وعدم المبالاة كثيرا بإجماع الغير والخروج عنه للدليل ، وكذا دعوى الإجماع مع وجود المخالف ؛ فإنّ ما ذكرنا في مبنى الإجماع من أصحّ المحامل لهذه الامور المنافية لبناء دعوى الإجماع على تتبّع الفتاوى في خصوص المسألة.

وذكر المحقّق السبزواري في الذخيرة ، بعد بيان تعسّر العلم بالاجماع :

__________________

(١) في غير (ت) : «ليس».

(٢) في (ه) : «اللازم».

كلام المحقّق السبزواري في الذخيرة

أنّ مرادهم بالإجماعات المنقولة في كثير من المسائل بل في أكثرها ، لا يكون محمولا على معناه الظاهر ، بل إمّا يرجع إلى اجتهاد من الناقل مؤدّ ـ بحسب القرائن والأمارات التي اعتبرها ـ إلى أنّ المعصوم عليه‌السلام موافق في هذا الحكم ، أو مرادهم الشهرة ، أو اتّفاق أصحاب الكتب المشهورة ، أو غير ذلك من المعاني المحتملة.

ثمّ قال بعد كلام له : والذي ظهر لي من تتبّع كلام المتأخّرين ، أنّهم كانوا ينظرون إلى كتب الفتاوى الموجودة عندهم في حال التأليف ، فإذا رأوا اتّفاقهم على حكم قالوا : إنّه إجماعيّ ، ثمّ إذا اطّلعوا على تصنيف آخر خالف مؤلّفه الحكم المذكور ، رجعوا عن الدعوى المذكورة ، ويرشد إلى هذا كثير من القرائن التي لا يناسب هذا المقام تفصيلها (١) ، انتهى.

حاصل الكلام في المسألة

وحاصل الكلام من أوّل ما ذكرنا إلى هنا : أنّ الناقل للإجماع إن احتمل في حقّه تتبّع فتاوى من ادّعى اتّفاقهم حتّى الإمام الذي هو داخل في المجمعين ، فلا إشكال في حجّيّته وفي إلحاقه بالخبر الواحد ؛ إذ لا يشترط في حجّيّته معرفة الإمام عليه‌السلام تفصيلا حين السماع منه.

لكن هذا الفرض ممّا يعلم بعدم وقوعه ، وأنّ المدّعي للإجماع لا يدّعيه على هذا الوجه.

وبعد هذا ، فإن احتمل في حقّه تتبّع فتاوى جميع المجمعين ، والمفروض أنّ الظاهر من كلامه هو (٢) اتّفاق الكلّ المستلزم عادة لموافقة

__________________

(١) ذخيرة المعاد : ٥٠ ـ ٥١.

(٢) لم ترد : «هو» في (ظ) ، (ل) و (م).

قول الإمام عليه‌السلام ، فالظاهر حجّيّة خبره للمنقول إليه ، سواء جعلنا المناط في حجّيته تعلّق خبره بنفس الكاشف ، الذي هو من الامور المحسوسة المستلزمة ضرورة لأمر حدسي وهو قول الإمام عليه‌السلام ، أو جعلنا المناط تعلّق خبره بالمنكشف وهو قول الإمام عليه‌السلام ؛ لما عرفت (١) : من أنّ الخبر الحدسيّ المستند إلى إحساس ما هو ملزوم للمخبر به عادة ، كالخبر الحسّي في وجوب القبول. وقد تقدّم الوجهان في كلام السيّد الكاظمي في شرح الوافية (٢).

لكنّك قد عرفت سابقا (٣) : القطع بانتفاء هذا الاحتمال ، خصوصا إذا أراد الناقل اتّفاق علماء جميع الأعصار.

نعم ، لو فرضنا قلّة العلماء في عصر بحيث يحاط بهم ، أمكن دعوى اتّفاقهم عن حسّ ، لكن هذا غير مستلزم عادة لموافقة قول الإمام عليه‌السلام. نعم ، يكشف عن موافقته بناء على طريقة الشيخ المتقدّمة (٤) التي لم تثبت عندنا وعند الأكثر (٥).

ثمّ إذا علم عدم استناد دعوى اتّفاق العلماء المتشتّتين في الأقطار ـ الذي يكشف عادة عن موافقة الإمام عليه‌السلام ـ إلاّ إلى الحدس الناشئ عن أحد الامور المتقدّمة التي مرجعها إلى حسن الظنّ أو الملازمات

__________________

(١) راجع الصفحة ١٩٨ ـ ١٩٩.

(٢) راجع الصفحة ٢٠٠.

(٣) راجع الصفحة ٢٠٢.

(٤) في الصفحة ١٩٢.

(٥) في (ت) ، (ر) و (ص) : «الأكثرين».