درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۷۸: خبر واحد ۳۱

 

حجّيّة الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة ، وفي حكم الشهرة أمارة اخرى غير معتبرة.

ولو عمّم التبيّن للتبيّن الاجماليّ ـ وهو تحصيل الظنّ بصدق مخبره ـ دخل خبر الفاسق المتحرّز عن الكذب ؛ فيدخل الموثّق وشبهه بل الحسن أيضا.

وعلى ما ذكر ، فيثبت من آية النبأ ـ منطوقا ومفهوما ـ حجّيّة الأقسام الأربعة للخبر : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف المحفوف بقرينة ظنّيّة.

المناقشة في الاستدلال المذكور

ولكن فيه من الإشكال ما لا يخفى ؛ لأنّ التبيّن ظاهر في العلميّ ؛ كيف ولو كان المراد مجرّد الظنّ لكان الأمر به في خبر الفاسق لغوا ، إذ العاقل لا يعمل بخبر إلاّ بعد رجحان صدقه على كذبه.

إلاّ أن يدفع اللغويّة بما ذكرنا سابقا : من أنّ المقصود التنبيه والارشاد على أنّ الفاسق لا ينبغي أن يعتمد عليه ، وأنّه لا يؤمن من كذبه وإن كان المظنون صدقه.

وكيف كان : فمادّة «التبيّن» ولفظ «الجهالة» وظاهر التعليل ـ كلّها ـ آبية عن (١) إرادة مجرّد الظنّ.

نعم ، يمكن دعوى صدقه على الاطمئنان الخارج عن التحيّر والتزلزل بحيث لا يعدّ في العرف العمل به تعريضا للوقوع في الندم ؛ فحينئذ لا يبعد انجبار خبر الفاسق به.

لكن ، لو قلنا بظهور المنطوق في ذلك كان دالا على حجّيّة الظنّ

__________________

(١) في غير (ظ) و (م) : «من».

الاطمئنانيّ المذكور وإن لم يكن معه خبر فاسق ؛ نظرا إلى أنّ الظاهر من الآية أنّ خبر الفاسق وجوده كعدمه ، وأنّه لا بدّ من تبيّن الأمر من الخارج ، والعمل على ما يقتضيه التبيّن الخارجيّ.

نعم ، ربما يكون نفس الخبر من الأمارات التي يحصل من مجموعها التبيّن.

فالمقصود : الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع ، فكلّما حصل الأمن منه جاز العمل ، فلا فرق حينئذ بين خبر الفاسق المعتضد بالشهرة إذا حصل الاطمئنان بصدقه وبين الشهرة المجرّدة إذا حصل الاطمئنان بصدق مضمونها.

والحاصل : أنّ الآية تدلّ على أنّ العمل يعتبر فيه التبيّن من دون مدخليّة لوجود خبر الفاسق وعدمه ، سواء قلنا بأنّ المراد منه العلم أو الاطمئنان أو مطلق الظنّ ، حتّى أنّ من قال (١) بأنّ (٢) خبر الفاسق يكفي فيه مجرّد الظنّ بمضمونه ـ لحسن (٣) أو توثيق أو غيرهما من صفات الراوي ـ فلازمه القول بدلالة الآية على حجّيّة مطلق الظنّ بالحكم الشرعيّ وإن لم يكن معه خبر أصلا ، فافهم واغتنم واستقم.

هذا ، ولكن لا يخفى : أنّ حمل التبيّن على تحصيل مطلق الظنّ أو الاطمئنان يوجب خروج مورد المنطوق ، وهو الإخبار بالارتداد (٤).

__________________

(١) كالمحقّق القمّي في القوانين ١ : ٢٢٣.

(٢) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «إنّ».

(٣) كذا في (ظ) و (م) ، وفي غيرهما : «بحسن».

(٤) لم ترد «هذا ولكن ـ إلى ـ بالارتداد» في (ظ) ، (ل) و (م).

الآية الثانية : آية «النفر»

ومن جملة الآيات : قوله تعالى في سورة براءة :

﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(١).

وجه الاستدلال بها

دلّت على وجوب الحذر عند إنذار المنذرين ، من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد.

أمّا وجوب الحذر ، فمن وجهين :

أحدهما : أنّ لفظة «لعلّ» بعد انسلاخها عن معنى الترجّي ظاهرة في كون مدخولها محبوبا للمتكلّم ، وإذا تحقّق حسن الحذر ثبت وجوبه ؛ إمّا لما ذكره في المعالم : من أنّه لا معنى لندب الحذر ؛ إذ مع قيام المقتضي يجب ومع عدمه لا يحسن (٢) ، وإمّا لأنّ رجحان العمل بخبر الواحد مستلزم لوجوبه بالإجماع المركّب ؛ لأنّ كلّ من أجازه فقد أوجبه.

الثاني : أنّ ظاهر الآية وجوب الإنذار ؛ لوقوعه غاية للنفر الواجب بمقتضى كلمة «لو لا» ، فإذا وجب الإنذار أفاد وجوب الحذر لوجهين :

أحدهما : وقوعه غاية للواجب ؛ فإنّ الغاية المترتّبة على فعل الواجب ممّا لا يرضى الآمر بانتفائه ، سواء كان من الأفعال المتعلّقة للتكليف أم لا ، كما في قولك : «تب لعلّك تفلح» ، و «أسلم لعلّك تدخل الجنّة» ، وقوله تعالى : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾(٣).

__________________

(١) التوبة : ١٢٢.

(٢) المعالم : ٤٧.

(٣) طه : ٤٤.