درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۸۳: خبر واحد ۳۵

 

ثمّ الفرق بين هذا الإيراد وسابقه : أنّ هذا الإيراد مبنيّ على أنّ الآية ناطقة باختصاص مقصود المتكلّم بالحذر عن الامور الواقعيّة ، المستلزم لعدم وجوبه إلاّ بعد إحراز كون الإنذار متعلّقا بالحكم الواقعيّ ، وأمّا الإيراد الأوّل فهو مبنيّ على سكوت الآية عن التعرّض لكون الحذر واجبا على الإطلاق أو بشرط حصول العلم.

الثالث : لو سلّمنا دلالة الآية على وجوب الحذر مطلقا عند إنذار المنذر ولو لم يفد العلم ، لكن لا تدلّ على وجوب العمل بالخبر من حيث إنّه خبر ؛ لأنّ الإنذار هو الإبلاغ مع التخويف ، فإنشاء التخويف مأخوذ فيه ، والحذر هو التخوّف الحاصل عقيب هذا التخويف الداعي إلى العمل بمقتضاه فعلا ، ومن المعلوم أنّ التخويف لا يجب إلاّ على الوعّاظ في مقام الإيعاد على الامور التي يعلم المخاطبون بحكمها من الوجوب والحرمة ، كما يوعد على شرب الخمر وفعل الزنا وترك الصلاة ، أو (١) على المرشدين في مقام إرشاد الجهّال ، فالتخوّف لا يجب إلاّ على المتّعظ أو (٢) المسترشد ، ومن المعلوم أنّ تصديق الحاكي فيما يحكيه من لفظ الخبر الذي هو محلّ الكلام خارج عن الأمرين.

توضيح ذلك : أنّ المنذر إمّا أن ينذر ويخوّف على وجه الإفتاء ونقل ما هو مدلول الخبر باجتهاده ، وإمّا أن ينذر ويخوّف بلفظ الخبر حاكيا له عن الحجّة.

فالأوّل ، كأن يقول : «يا أيّها الناس اتّقوا الله في شرب العصير ؛

__________________

(١) في (ر) : «و».

(٢) في (ت) و (ظ) : «و».

فإنّ شربه يوجب المؤاخذة». والثاني ، كأن يقول في مقام التخويف (١) : قال الإمام عليه‌السلام : «من شرب العصير فكأنّما شرب الخمر».

أمّا الإنذار على الوجه الأوّل ، فلا يجب الحذر عقيبه إلاّ على المقلّدين لهذا المفتي.

وأمّا الثاني ، فله جهتان : إحداهما : جهة تخويف وإيعاد. والثانية : جهة حكاية قول من الإمام عليه‌السلام.

ومن المعلوم أنّ الجهة الاولى ترجع إلى الاجتهاد في معنى الحكاية ، فهي ليست حجّة إلاّ على من هو مقلّد له ؛ إذ هو الذي يجب عليه التخوّف عند تخويفه.

وأمّا الجهة الثانية ، فهي التي تنفع المجتهد الآخر الذي يسمع منه هذه الحكاية ، لكن وظيفته مجرّد تصديقه في صدور هذا الكلام عن الإمام عليه‌السلام ، وأمّا أنّ مدلوله متضمّن لما يوجب التحريم الموجب للتخوّف (٢) أو الكراهة ، فهو ممّا ليس فهم المنذر حجّة فيه بالنسبة إلى هذا المجتهد.

فالآية الدالّة على وجوب التخوّف عند تخويف المنذرين مختصّة بمن يجب عليه اتّباع المنذر في مضمون الحكاية وهو المقلّد له ؛ للإجماع على أنّه لا يجب على المجتهد التخوّف عند إنذار غيره. إنّما الكلام في أنّه هل يجب عليه تصديق غيره في الألفاظ والأصوات التي يحكيها عن المعصوم عليه‌السلام أم لا؟ والآية لا تدلّ على وجوب ذلك على من لا يجب

__________________

(١) لم ترد «في مقام التخويف» في (ص) ، (ل) و (ه).

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «للخوف».

عليه التخوّف عند التخويف.

الأولى الاستدلال بالآية على وجوب الاجتهاد والتقليد

فالحقّ : أنّ الاستدلال بالآية على وجوب الاجتهاد كفاية ووجوب التقليد على العوامّ ، أولى من الاستدلال بها على وجوب العمل بالخبر.

وذكر شيخنا البهائيّ قدس‌سره في أوّل أربعينه :

كلام الشيخ البهائي

أنّ الاستدلال بالنبويّ المشهور : «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما» (١) على حجّيّة الخبر ، لا يقصر عن الاستدلال عليها بهذه الآية (٢).

وكأنّ فيه إشارة إلى ضعف الاستدلال بها ؛ لأنّ الاستدلال بالحديث المذكور ضعيف جدّا ، كما سيجيء (٣) إن شاء الله عند ذكر الأخبار.

هذا ، ولكن ظاهر الرواية المتقدّمة (٤) عن علل الفضل يدفع هذا الإيراد. لكنّها من الآحاد ؛ فلا ينفع في صرف الآية عن ظاهرها في مسألة حجّيّة الآحاد. مع إمكان منع دلالتها على المدّعى ؛ لأنّ (٥) الغالب تعدّد من يخرج إلى الحجّ من كلّ صقع بحيث يكون الغالب حصول القطع من حكايتهم لحكم الله الواقعيّ عن الإمام عليه‌السلام ، وحينئذ فيجب

__________________

(١) انظر الوسائل ١٨ : ٦٦ ـ ٦٧ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٤ ، ٥٨ ، ٥٩ ، ٦٠ و ٦٢.

(٢) الأربعون حديثا : ٧١.

(٣) انظر الصفحة ٣٠٧.

(٤) في الصفحة ٢٨٠.

(٥) في (ت) ، (ص) ، (ظ) و (م) بدل «لأنّ» : «وأنّ».