درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۸۸: خبر واحد ۴۰

 

في الباطن ، كما كان هو مقتضى المصلحة في حكاية اسماعيل المتقدّمة.

ويؤيّد هذا المعنى : ما عن تفسير العياشيّ ، عن الصادق عليه‌السلام : من أنّه يصدّق المؤمنين ؛ لأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله كان رءوفا رحيما بالمؤمنين (١) ؛ فإنّ تعليل التصديق بالرأفة والرحمة على كافّة المؤمنين ينافي إرادة قبول قول أحدهم على الآخر بحيث يرتّب (٢) عليه آثاره وإن أنكر المخبر عنه وقوعه ؛ إذ مع الإنكار لا بدّ من تكذيب أحدهما ، وهو مناف لكونه «اذن خير» ورءوفا رحيما بالجميع (٣) ، فتعيّن إرادة التصديق بالمعنى الذي ذكرنا.

ويؤيّده أيضا : ما عن القمّي رحمه‌الله في سبب نزول الآية :

«أنّه نمّ منافق على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخبره الله بذلك (٤) ، فأحضره النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وسأله ، فحلف : أنّه لم يكن شيء ممّا ينمّ (٥) عليه ، فقبل منه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول : إنّه يقبل كلّ ما يسمع ، أخبره الله أنّي أنمّ عليه وأنقل أخباره فقبل ، وأخبرته أنّي لم أفعل فقبل ، فردّه الله تعالى بقوله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾» (٦).

__________________

(١) تفسير العياشي ٢ : ٩٥ ، وحكاه عنه الفيض الكاشاني في تفسير الصافي ٢ : ٣٥٤.

(٢) كذا في (ه) ، وفي غيرها : «يترتّب».

(٣) في (ه) : «لجميع المؤمنين» ، وفي (ت) : «بجميع المؤمنين».

(٤) كذا في (ظ) و (م) ، وفي غيرهما : «ذلك».

(٥) في (ظ) و (م) : «نمّ».

(٦) تفسير القمّي ١ : ٣٠٠.

ومن المعلوم : أنّ تصديقه صلى‌الله‌عليه‌وآله للمنافق لم يكن بترتيب آثار الصدق عليه مطلقا.

وهذا التفسير (١) صريح في أنّ المراد من «المؤمنين» : المقرّون (٢) بالإيمان من غير اعتقاد ، فيكون الإيمان لهم على حسب إيمانهم.

ويشهد بتغاير معنى الإيمان في الموضعين ـ مضافا إلى تكرار لفظه ـ : تعديته في الأوّل بالباء وفي الثاني باللام ، فافهم.

توجيه رواية إسماعيل

وأمّا توجيه الرواية ، فيحتاج إلى بيان معنى التصديق ، فنقول : إنّ المسلم إذا أخبر بشيء فلتصديقه معنيان :

أحدهما : ما يقتضيه أدلّة تنزيل (٣) فعل المسلم على الصحيح والأحسن ؛ فإنّ الإخبار من حيث إنّه فعل من أفعال المكلّفين ، صحيحه ما كان مباحا ، وفاسده ما كان نقيضه ، كالكذب والغيبة ونحوهما ، فحمل الإخبار على الصادق حمل (٤) على أحسنه.

والثاني : هو حمل إخباره من حيث إنّه لفظ دالّ على معنى يحتمل مطابقته للواقع وعدمها ، على كونه مطابقا للواقع وترتيب (٥) آثار الواقع عليه.

و (٦) المعنى الثاني هو الذي يراد من العمل بخبر العادل. وأمّا المعنى

__________________

(١) في (ل) بدل «التفسير» : «التعبير» ، وفي (م) : «التفصيل».

(٢) في (ه) بدل «المقرّون» : «المقرونون».

(٣) في (ه) بدل «تنزيل» : «حمل».

(٤) في (ظ) ، (ل) و (م) : «حمله».

(٥) في (ر) ، (ص) و (ه) : «بترتيب».

(٦) في (ص) ، (ظ) و (م) زيادة : «الحاصل أنّ».

الأوّل ، فهو الذي يقتضيه أدلّة حمل فعل المسلم على الصحيح والأحسن ، وهو ظاهر الأخبار الواردة في : أنّ من حقّ المؤمن على المؤمن أن يصدّقه ولا يتّهمه (١) ، خصوصا مثل قوله عليه‌السلام : «يا أبا محمّد ، كذّب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة : أنّه قال قولا ، وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم ... الخبر» (٢).

فإنّ تكذيب القسامة مع كونهم أيضا مؤمنين ، لا يراد منه إلاّ عدم ترتيب آثار الواقع على كلامهم ، لا ما يقابل تصديق المشهود عليه ؛ فإنّه ترجيح بلا مرجّح ، بل ترجيح المرجوح.

نعم ، خرج من ذلك مواضع (٣) وجوب قبول شهادة المؤمن على المؤمن وإن أنكر المشهود عليه.

وأنت إذا تأمّلت هذه الرواية ولاحظتها مع الرواية المتقدّمة (٤) في حكاية إسماعيل ، لم يكن لك بدّ من حمل التصديق على ما ذكرنا.

وإن أبيت إلاّ عن ظهور خبر إسماعيل في وجوب التصديق بمعنى ترتيب آثار الواقع ، فنقول : إنّ الاستعانة بها على دلالة الآية خروج عن الاستدلال بالكتاب إلى السنّة ، والمقصود هو الأوّل. غاية الأمر كون هذه الرواية في عداد الروايات الآتية (٥) إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) يأتي بعضها في مبحث الاستصحاب ٣ : ٣٤٦ ـ ٣٤٧.

(٢) الوسائل ٨ : ٦٠٩ ، الباب ١٥٧ من أحكام العشرة ، الحديث ٤. وفيه : «يا محمّد» ، كما يأتي في مبحث الاستصحاب ٣ : ٣٤٧.

(٣) في (ت) و (ه) : «موضع».

(٤) راجع الصفحة ٢٩١.

(٥) الآتية في الصفحة ٢٩٧ ، فما بعد.