درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۵: خیار حیوان ۱۰

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

التصرّف المذكورة في النصوص والفتاوى ليست كذلك ، بل هي واقعةٌ غالباً مع الغفلة أو التردّد أو العزم على الفسخ مطلقاً ، أو إذا اطّلع على ما يوجب زهده فيه ، فهي غير دالّةٍ في نفسها عرفاً على الرضا.

ومنه يظهر وجه النظر في دفع الاستبعاد الذي ذكرناه سابقاً (١) من عدم انفكاك اشتراء الحيوان من التصرّف فيه في الثلاثة فيكون مورد الخيار في غاية الندرة بأنّ الغالب في التصرّفات وقوعها مع عدم الرضا باللزوم ، فلا يسقط بها الخيار (٢) ، إذ فيه : أنّ هذا يوجب استهجان تعليل السقوط بمطلق الحدث بأنّه رضاً ؛ لأنّ المصحِّح لهذا التعليل مع العلم بعدم كون بعض أفراده رضاً هو ظهوره فيه عرفاً من أجل الغلبة ، فإذا فرض أنّ الغالب في مثل هذه التصرّفات وقوعها لا عن التزامٍ للعقد بل مع العزم على الفسخ أو التردّد فيه أو الغفلة ، كان تعليل الحكم على المطلق بهذه العلّة الغير الموجودة إلاّ في قليلٍ من أفراده مستهجناً.

وأمّا الاستشهاد لذلك بما سيجي‌ء : من أنّ تصرّف البائع في ثمن بيع الخيار غير مسقطٍ لخياره اتّفاقاً ، وليس ذلك إلاّ من جهة صدوره لا عن التزامٍ بالعقد ، بل مع العزم على الفسخ بردّ مثل الثمن ، ففيه : ما سيجي‌ء.

وممّا ذكرنا من استهجان التعليل على تقدير كون غالب التصرّفات‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٩.

(٢) راجع الرياض ٨ : ٢٠٢ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠.

واقعةً لا عن التزامٍ يظهر فساد الجمع بهذا الوجه ، يعني حمل الأخبار المتقدّمة (١) على صورة دلالة التصرّفات المذكورة على الرضا بلزوم العقد ، جمعاً بينها وبين ما دلّ من الأخبار على عدم سقوطه بمجرّد التصرّف ، مثل رواية عبد الله بن الحسن المتقدّمة (٢) التي لم يستفصل في جوابها بين تصرّف المشتري في العبد المتوفّى في زمان الخيار وعدمه ، وإنّما أُنيط سقوط الخيار فيها بالرضا الفعلي ، ومثل الخبر المصحّح : في رجلٍ اشترى شاةً فأمسكها ثلاثة أيّامٍ ثمّ ردّها؟ قال : «إن كان تلك الثلاثة أيّام شرب لبنها يردّ معها ثلاثة أمداد ، وإن لم يكن لها لبنٌ فليس عليه شي‌ءٌ» (٣). ونحوه الآخر (٤).

وما فيهما من «ردّ ثلاثة أمداد» لعلّه محمولٌ على الاستحباب ؛ مع أنّ ترك العمل به لا يوجب ردّ الرواية ، فتأمّل.

وقد أفتى بذلك في المبسوط فيما لو باع شاةً غير مصرّاةٍ وحلبها أيّاماً ثمّ وجد المشتري بها عيباً. ثمّ قال : وقيل : ليس له ردّها ، لأنّه تصرّفٌ بالحلب (٥).

وبالجملة ، فالجمع بين النصّ والفتوى الظاهرين في كون التصرّف‌

__________________

(١) المتقدّمة في الصفحة ٩٧ ٩٨.

(٢) المتقدّمة في الصفحة ١٠٠.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٦٠ ، الباب ١٣ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٤) التهذيب ٧ : ٢٥ ، الحديث ١٠٧ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٣٦٠ ، الباب ١٣ من أبواب الخيار ، ذيل الحديث الأوّل.

(٥) المبسوط ٢ : ١٢٥ ١٢٦.

مسقطاً لدلالته على الرضا بلزوم العقد ، وبين ما تقدّم من التصرّفات المذكورة في كثيرٍ من الفتاوى خصوصاً ما ذكره غير واحدٍ (١) من الجزم بسقوط الخيار بالركوب في طريق الردّ ، أو التردّد فيه وفي التصرّف للاستخبار مع العلم بعدم اقترانهما بالرضا بلزوم العقد في غاية الإشكال ، والله العالم بحقيقة الحال.

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٤٥١ ، وقال السيّد المجاهد في المناهل : ٣٤٠ بعد نقل القولين في التصرّفات المراد منها مجرّد الاختبار ـ : «والمسألة محلّ إشكال». وراجع الأقوال في التصرّف للاستخبار ، المقابس : ٢٤٧ أيضاً.

الثالث

خيار الشرط‌

معنى خيار الشرط

أعني الثابت بسبب اشتراطه في العقد ، ولا خلاف في صحّة هذا الشرط ، ولا في أنّه لا يتقدّر بحدٍّ عندنا ، ونقلُ الإجماع عليه مستفيضٌ (١). والأصل فيه قبل ذلك : الأخبار العامّة المسوّغة لاشتراط كلّ شرطٍ إلاّ ما استثني ، والأخبار الخاصّة الواردة في بعض أفراد المسألة.

الدليل على هذا الخيار

فمن الاولى : الخبر المستفيض الذي لا يبعد دعوى تواتره : «إنّ المسلمين عند شروطهم» (٢) وزيد في صحيحة ابن سنان : «إلاّ كلّ شرطٍ خالف كتاب الله فلا يجوز» (٣). وفي موثّقة إسحاق بن عمّار : «إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو حلّل حراماً» (٤).

__________________

(١) نقله السيّد المرتضى في الانتصار : ٤٣٤ ، المسألة ٢٤٦ ، والشيخ في الخلاف ٣ : ١١ و ٢٠ ، ذيل المسألة ٧ و ٢٥ من كتاب البيوع ، وابن زهرة في الغنية : ٢١٨ ، وانظر مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ٣٥٣ ٣٥٤ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث ١ ، ٢ و ٥ ، والمستدرك ١٣ : ٣٠٠ ، الباب ٥ من أبواب الخيار ، الحديث ١ و ٣.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٥٣ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

(٤) الوسائل ١٢ : ٣٥٤ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث ٥.

نعم ، في صحيحةٍ أُخرى لابن سنان : «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز على الذي اشترط عليه ، والمسلمون عند شروطهم ، فيما وافق كتاب الله» (١).

لكن المراد منه بقرينة المقابلة عدم المخالفة ، للإجماع على عدم اعتبار موافقة الشرط لظاهر الكتاب. وتمام الكلام في معنى هذه الأخبار وتوضيح المراد من الاستثناء الوارد فيها يأتي في باب الشرط في ضمن العقد إن شاء الله تعالى.

والمقصود هنا بيان أحكام الخيار المشترط في العقد ، وهي تظهر برسم مسائل :

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٣ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.