درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵۴: خیار غبن ۴

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وجه الخدشة : ما تقدّم (١) ، من احتمال كون المبذول غرامةً لما أتلفه الغابن على المغبون قد دلّ عليه نفي الضرر.

وأمّا الاستصحاب ، ففيه : أنّ الشكّ في اندفاع الخيار بالبذل لا في ارتفاعه به ؛ إذ (٢) المحتمل ثبوت الخيار على الممتنع دون الباذل.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ تدارك ضرر المغبون بأحد الاحتمالين المذكورين أولى من إثبات الخيار له ؛ لأنّ إلزام الغابن بالفسخ ضررٌ ؛ لتعلّق غرض الناس بما ينتقل إليهم من أعواض أموالهم خصوصاً النقود ، ونقض الغرض ضررٌ وإن لم يبلغ حدّ المعارضة لضرر المغبون ، إلاّ أنّه يصلح مرجِّحاً لأحد الاحتمالين المذكورين على ما اشتهر من تخييره بين الردّ والإمضاء بكلّ الثمن ، إلاّ أن يعارض ذلك بأنّ غرض المغبون قد يتعلّق بتملّك عينٍ ذات قيمةٍ ؛ لكون المقصود اقتناءها للتجمّل ، وقد يستنكف عن اقتناء ذات القيمة اليسيرة للتجمّل ، فتأمّل.

الاستدلال على خيار الغبن بالأخبار الواردة في حكم الغبن

وقد يستدلّ على الخيار بأخبارٍ واردةٍ في حكم الغبن :

فعن الكافي بسنده إلى إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «غبن المسترسل سحتٌ» (٣). وعن ميسّر عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «غبن المؤمن حرامٌ» (٤) ، وفي روايةٍ أُخرى : «لا تغبن المسترسل ،

__________________

(١) تقدّم آنفاً.

(٢) في «ش» زيادة : «من».

(٣) الكافي ٥ : ١٥٣ ، الحديث ١٤ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٣٦٣ ، الباب ١٧ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٤) الكافي ٥ : ١٥٣ ، الحديث ١٥ ، والوسائل ١٢ : ٣٦٤ ، الباب ١٧ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

فإنّ غبنه لا يحلّ» (١).

وعن مجمع البحرين : أنّ الاسترسال الاستئناس والطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدّثه ، واصلة السكون والثبات ، ومنه الحديث : «أيّما مسلمٍ استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا» ، ومنه : «غبن المسترسل سحتٌ» (٢) ، انتهى. ويظهر منه أنّ ما ذكره أوّلاً حديثٌ رابعٌ.

عدم دلالة الاخبار المذكورة على المدّعى

والإنصاف : عدم دلالتها على المدّعى ؛ فإنّ ما عدا الرواية الأُولى ظاهرةٌ في حرمة الخيانة في المشاورة ، فيحتمل كون الغبن بفتح الباء.

وأمّا الرواية الأُولى ، فهي وإن كانت ظاهرةً فيما يتعلّق بالأموال ، لكن يحتمل حينئذٍ أن يراد كون الغابن بمنزلة آكل السحت في استحقاق العقاب على أصل العمل والخديعة في أخذ المال. ويحتمل أن يراد كون المقدار الذي يأخذه زائداً على ما يستحقّه بمنزلة السحت في الحرمة والضمان. ويحتمل إرادة كون مجموع العوض المشتمل على الزيادة بمنزلة السحت في تحريم الأكل في صورةٍ خاصّةٍ ، وهي اطّلاع المغبون وردّه للمعاملة المغبون فيها. ولا ريب أنّ الحمل على أحد الأوّلين أولى ، ولا أقلّ من المساواة للثالث ، فلا دلالة.

العمدة في المسألة الإجماع

فالعمدة في المسألة الإجماع المحكيّ المعتضد بالشهرة المحقّقة ، وحديث نفي الضرر بالنسبة إلى خصوص الممتنع عن بذل التفاوت.

ثمّ إنّ تنقيح هذا المطلب يتمّ برسم مسائل :

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٢٨٥ ، الباب ٢ من أبواب الخيار ، الحديث ٧.

(٢) مجمع البحرين ٥ : ٣٨٣ ، مادّة «رسل».

مسألة

شرائط خيار الغبن

يشترط في هذا الخيار أمران :

الأوّل : جهل المغبون بالقيمة

الأوّل : عدم علم المغبون بالقيمة ، فلو علم بالقيمة فلا خيار ، بل لا غبن كما عرفت بلا خلافٍ ولا إشكالٍ ؛ لأنّه أقدم على الضرر.

ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق بين كونه غافلاً من القيمة بالمرّة أو ملتفتاً إليها ، ولا بين كونه مسبوقاً بالعلم وعدمه ، ولا بين الجهل المركّب والبسيط مع الظنّ بعدم الزيادة والنقيصة أو الظنّ بهما أو الشكّ.

ويشكل في الأخيرين إذا أقدم على المعاملة بانياً على المسامحة على تقدير الزيادة أو (١) النقيصة فهو كالعالم ، بل الشاكّ في الشي‌ء إذا أقدم عليه بانياً على تحمّله فهو في حكم العالم من حيث استحقاق المدح عليه أو الذمّ ، ومن حيث عدم معذوريّته لو كان ذلك الشي‌ء ممّا يعذر الغافل فيه ، والحاصل : أنّ الشاكّ الملتفت إلى الضرر مُقدِمٌ عليه.

ومن أنّ مقتضى عموم نفي الضرر وإطلاق الإجماع المحكي ثبوته بمجرّد تحقّق الضرر ، خرج المقدِم عليه عن علمٍ ، بل مطلق الشاكّ ليس‌

__________________

(١) في «ش» : «و».

مُقدِماً على الضرر ، بل قد يُقدِم برجاء عدمه ، ومساواته للعالم في الآثار ممنوعةٌ حتّى في استحقاق المدح والذمّ لو كان المشكوك ممّا يترتّب عليه ذلك عند الإقدام عليه ، ولذا قد يحصل للشاكّ بعد اطّلاعه على الغبن حالةٌ اخرى لو حصلت له قبل العقد لم يُقدم عليه. نعم ، لو صرّح في العقد بالالتزام به ولو على تقدير ظهور الغبن كان ذلك راجعاً إلى إسقاط الغبن.

ثبوت الخيار للجاهل وإن كان قادراً على السؤال

وممّا ذكرنا يظهر ثبوت الخيار للجاهل وإن كان قادراً على السؤال ، كما صرّح به في التحرير والتذكرة (١).

ولو أقدم عالماً على غبنٍ يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح بالمجموع منه ومن المعلوم ، فلا يبعد الخيار. ولو أقدم على ما لا يتسامح فبان أزيد بما يتسامح به منفرداً أو بما لا يتسامح ، ففي الخيار وجهٌ.

المعتبر القيمة حال العقد

ثمّ إنّ المعتبر القيمة حال العقد ، فلو زادت بعده ولو قبل اطّلاع المغبون على النقصان حين العقد لم ينفع ؛ لأنّ الزيادة إنّما حصلت في ملكه والمعاملة وقعت على الغبن. ويحتمل عدم الخيار حينئذٍ ؛ لأنّ التدارك حصل قبل الردّ ، فلا يثبت الردّ المشروع لتدارك الضرر ، كما لو برئ المعيوب قبل الاطّلاع على عيبه ، بل في التذكرة : أنّه مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الردّ سقط حقّ الردّ (٢).

وأشكل منه ما لو توقّف الملك على القبض فارتفع الغبن قبله ؛ لأنّ الملك قد انتقل إليه حينئذٍ من دون نقصٍ في قيمته.

__________________

(١) التحرير ١ : ١٦٦ ، والتذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) التذكرة ١ : ٥٤١.