درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵۷: خیار غبن ۷

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

الجامع (١) والمسالك (٢).

وقد يشكل بأنّ هذا إنّما يوجب عدم قبول قوله من حيث تقديم الظاهر على الأصل ، فغاية الأمر أن يصير مدّعياً من جهة مخالفة قوله للظاهر ، لكن المدّعى لمّا تعسّر إقامة البيّنة عليه ولا يُعرف إلاّ من قِبَله يُقبل قوله مع اليمين ، فليكن هذا من هذا القبيل.

إلاّ أن يقال : إنّ معنى (٣) تقديم الظاهر جعل مدّعيه مقبول القول بيمينه ، لا جعل مخالفه مدّعياً يجري عليه جميع أحكام المدّعى حتّى في قبول قوله إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة ، ألا ترى أنّهم لم يحكموا بقبول قول مدّعي فساد العقد إذا تعسّر عليه إقامة البيّنة على سبب الفساد؟

مع أنّ عموم تلك القاعدة ثمّ اندراج المسألة فيها محلّ تأمّلٍ.

لو اختلفا في القيمة وقت العقد

ولو اختلفا في القيمة وقت العقد أو في القيمة بعده مع تعذّر الاستعلام ، فالقول قول منكر سبب الغبن ؛ لأصالة عدم التغيّر ، وأصالة اللزوم.

ومنه يظهر حكم ما لو اتّفقا على التغيّر واختلفا في تأريخ العقد. ولو عُلم تأريخ التغيّر فالأصل وإن اقتضى تأخّر العقد الواقع على الزائد عن القيمة ، إلاّ أنّه لا يثبت به وقوع العقد على الزائد حتّى يثبت الغبن.

الشرط الثاني : كون التفاوت فاحشاً

الشرط الثاني (٤) : كون التفاوت فاحشاً ، فالواحد بل الاثنان في‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

(٢) المسالك ٣ : ٢٠٤.

(٣) في «ش» : «إنّ مقتضى».

(٤) في «ش» : «الأمر الثاني».

العشرين لا يوجب الغبن.

حد التفاوت الفاحش

وحدّه عندنا كما في التذكرة ـ : ما لا يتغابن الناس بمثله.

وحكى فيها عن مالك : أنّ التفاوت بالثلث لا يوجب الخيار وإن كان بأكثر من الثلث أوجبه. وردّه : بأنّه تخمينٌ لم يشهد له أصل في الشرع (١) ، انتهى.

والظاهر أنّه لا إشكال في كون التفاوت بالثلث بل الربع فاحشاً. نعم ، الإشكال في الخمس ، ولا يبعد دعوى عدم مسامحة الناس فيه ، كما سيجي‌ء التصريح به من المحقّق القمّي في تصويره لغبن كلا المتبايعين (٢).

ما هو المناط في الضرر الموجب للخيار

ثمّ الظاهر أنّ المرجع عند الشكّ في ذلك هو أصالة ثبوت الخيار ؛ لأنّه ضررٌ لم يُعلم تسامح الناس فيه. ويحتمل الرجوع إلى أصالة اللزوم ؛ لأنّ الخارج هو الضرر الذي يُناقش فيه ، لا مطلق الضرر.

بقي هنا شي‌ءٌ ، وهو : أنّ ظاهر الأصحاب وغيرهم أنّ المناط في الضرر الموجب للخيار كون المعاملة ضرريّةً مع قطع النظر عن ملاحظة حال أشخاص المتبايعين ؛ ولذا حدّوه بما لا يتغابن به الناس أو بالزائد على الثلث ، كما عرفت عن بعض العامّة (٣).

وظاهر حديث نفي الضرر (٤) ملاحظة الضرر بالنسبة إلى شخص الواقعة ؛ ولذا استدلّوا به على عدم وجوب شراء ماء الوضوء بمبلغٍ كثيرٍ‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) سيجي‌ء في الصفحة ١٧٣.

(٣) وهو مالك ، كما تقدم عن التذكرة آنفاً ، ولكنّ المحكي عنه في المغني (٣ : ٥٨٤) : التحديد بالثلث.

(٤) في «ش» زيادة : «المستدلّ عليه في أبواب الفقه».

إذا أضرّ بالمكلّف ووجوب شرائه بذلك المبلغ على من لا يضرّ به ذلك (١) ، مع أنّ أصل شراء الماء بأضعاف قيمته معاملةٌ ضرريّةٌ في حقّ الكلّ.

والحاصل : أنّ العبرة إن كان بالضرر المالي لم يجب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته ، وإن كانت بالضرر الحالي تعيّن التفصيل في خيار الغبن بين ما يضرّ بحال المغبون وغيره.

الأظهر اعتبار الضرر المالي

والأظهر اعتبار الضرر المالي ؛ لأنّه ضررٌ في نفسه من غير مدخليّةٍ لحال الشخص. وتحمّله في بعض المقامات كالتيمّم (٢) إنّما خرج بالنصّ ؛ ولذا أجاب في المعتبر عن الشافعي المنكر لوجوب الوضوء في الفرض المذكور ـ : بأنّ الضرر لا يعتبر مع معارضة النصّ (٣).

ويمكن أيضاً أن يلتزم الضرر المالي في مقام التكليف ، لا لتخصيص عموم نفي الضرر بالنصّ ، بل لعدم كونه ضرراً بملاحظة ما بإزائه من الأجر ، كما يشير إليه قوله عليه‌السلام بعد شرائه صلوات الله عليه ماء وضوئه بأضعاف قيمته : «إنّ ما يشترى به مالٌ كثيرٌ» (٤).

نعم ، لو كان الضرر مجحفاً بالمكلّف انتفى بأدلة نفي الحرج ، لا دليل‌

__________________

(١) كما استدلّ به الفاضل المقداد في التنقيح ١ : ١٣٢ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ٢ : ٢٩٣.

(٢) لا يخفى ما في المثال ، ولذا أسقطه مصحّح «ش».

(٣) المعتبر ١ : ٣٦٩ ٣٧٠.

(٤) التهذيب ١ : ٤٠٦ ، الحديث ١٢٧٦ ، وعنه في الوسائل ٢ : ٩٩٨ ، الباب ٢٦ من أبواب التيمّم ، ذيل الحديث الأوّل.

نفي الضرر ، فنفي (١) الضرر المالي في التكاليف لا يتحقّق (٢) إلاّ إذا كان تحمّله حرجاً.

تصوير الغبن من الطرفين والإشكال فيه

إشكال :

ذكر في الروضة والمسالك تبعاً لجامع المقاصد في أقسام الغبن : أنّ المغبون إمّا أن يكون هو البائع أو المشتري أو هما (٣) ، انتهى.

فيقع الإشكال في تصوّر غبن كلٍّ من المتبايعين معاً. والمحكيّ عن بعض (٤) الفضلاء في تعليقه على الروضة ما حاصله استحالة ذلك ، حيث قال : قد عرفت أنّ الغبن في طرف البائع إنّما هو إذا باع بأقلّ من القيمة السوقيّة ، وفي طرف المشتري إذا اشترى بأزيد منها ، ولا يتفاوت الحال بكون الثمن والمثمن من الأثمان أو العروض أو مختلفين ، وحينئذٍ فلا يعقل كونهما معاً مغبونين ، وإلاّ لزم كون الثمن أقلّ من القيمة السوقيّة وأكثر ، وهو محالٌ ، فتأمّل ، انتهى.

الوجوه المذكورة في تصوير ذلك :

١ ـ ما ذكره المحقّق القمّي

وقد تعرّض غير واحدٍ ممّن قارب عصرنا لتصوير ذلك في بعض الفروض :

منها : ما ذكره المحقّق القمّي صاحب القوانين‌ في جواب من سأله‌

__________________

(١) في «ق» بدل «فنفي» : «فيبقى» ، لكنّه لا يلائم السياق.

(٢) في «ش» بدل «لا يتحقّق» : «لا يكون».

(٣) الروضة ٣ : ٤٦٧ ، والمسالك ٣ : ٢٠٥ ، وجامع المقاصد ٤ : ٢٩٥.

(٤) وهو المولى أحمد بن محمّد التوني أخو المولى عبد الله التوني صاحب الوافية ، ذكره في تعليقه على الروضة ذيل قول الشارح : «والمغبون إمّا البائع أو المشتري» ، راجع الروضة البهيّة (الطبعة الحجريّة) ١ : ٣٧٨.