درس مکاسب - خیارات

جلسه ۵۹: خیار غبن ۹

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وهذا الجواب قريبٌ من سابقه في الضعف ؛ لأنّه إن جاز التفكيك بينهما عند فرض ثبوت الغبن لأحدهما خاصّةً حتّى يجوز له الفسخ في العين المغبون فيها خاصّةً ، فهما معاملتان مستقلّتان كان الغبن في كلّ واحدةٍ منهما (١) لأحدهما خاصّةً ، فلا وجه لجعل هذا قسماً ثالثاً لقسمي غبن البائع خاصّةً والمشتري خاصّةً. وإن لم يجز التفكيك بينهما لم يكن غبنٌ أصلاً مع تساوي الزيادة في أحدهما للنقيصة في الآخر ، ومع عدم المساواة فالغبن من طرفٍ واحدٍ.

٣ ـ أن يراد بالغبن معناه الأعمّ والمناقشة فيه

ومنها : أن يراد بالغبن في المقسم معناه الأعمّ‌ الشامل لصورة خروج العين المشاهدة سابقاً على خلاف ما شاهده أو خروج ما أخبر البائع بوزنه على خلاف خبره ، وقد أطلق الغبن على هذا المعنى الأعمّ العلاّمة في القواعد (٢) والشهيد في اللمعة (٣) ، وعلى هذا المعنى الأعمّ تحقّق الغبن في كلٍّ منهما.

وهذا حسنٌ ، لكن ظاهر عبارة الشهيد (٤) والمحقّق (٥) الثانيين إرادة ما عنون به هذا الخيار وهو الغبن بالمعنى الأخصّ على ما فسّروه به.

٤ ـ ما ذكره بعض والمناقشة فيه

ومنها : ما ذكره بعضٌ : من أنّه يحصل بفرض المتبايعين وقت العقد في مكانين ، كما إذا حصر العسكر البلد وفُرض قيمة الطعام خارج البلد‌

__________________

(١) في «ش» : «منها».

(٢) القواعد ٢ : ٢٢.

(٣) اللمعة الدمشقيّة : ١١٣.

(٤) المسالك ٣ : ٢٠٣.

(٥) جامع المقاصد ٤ : ٢٩٤.

ضعف قيمته في البلد ، فاشترى بعض أهل البلد من وراء سور البلد طعاماً من العسكر بثمنٍ متوسّطٍ بين القيمتين ، فالمشتري مغبونٌ لزيادة الثمن على قيمة الطعام في مكانه ، والبائع مغبونٌ لنقصانه عن القيمة في مكانه (١).

ويمكن ردّه بأنّ المبيع بعد العقد باقٍ على قيمته حين العقد ، ولا غبن فيه للمشتري ما دام في محلّ العقد ، وإنّما نزلت قيمته بقبض المشتري ونقله إيّاه إلى مكان الرخص. وبالجملة ، الطعام عند العقد لا يكون إلاّ في محلٍّ واحدٍ له قيمةٌ واحدةٌ.

٥ ـ ما ذكره في مفتاح الكرامة والمناقشة فيه

ومنها : ما ذكره في مفتاح الكرامة : من فرضه فيما إذا ادّعى كلٌّ من المتبايعين الغبن ، كما إذا بيع ثوبٌ بفرسٍ بظنّ المساواة ، ثمّ ادّعى كلٌّ منهما نقص ما في يده عمّا في يد الآخر ، ولم يوجد المقوِّم ليرجع إليه ، فتحالفا ، فيثبت الغبن لكلٍّ منهما في ما وصل إليه ، قال : ويتصوّر غبنهما في أحد العوضين ، كما لو تبايعا شيئاً بمائة درهم ، ثمّ ادّعى البائع كونه يسوي بمأتين والمشتري كونه لا يسوى إلاّ بخمسين ، ولا مقوِّم يرجع إليه فتحالفا ، ويثبت الفسخ لكلٍّ منهما (٢) ، انتهى.

وفيه : أنّ الظاهر أنّ لازم التحالف عدم الغبن لأحدهما (٣) ، مع أنّ الكلام في الغبن الواقعي دون الظاهري.

الأولى الوجه الثالث

والأولى من هذه الوجوه هو الوجه الثالث ، والله العالم.

__________________

(١) لم نعثر على هذا البعض.

(٢) مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٤.

(٣) في «ش» بدل «لأحدهما» : «في المعاملة أصلاً».

مسألة

هل ظهور الغبن شرطٌ شرعيٌّ أو كاشف عقلي؟

ظهور الغبن شرطٌ شرعيٌّ لحدوث الخيار ، أو كاشفٌ عقليٌّ عن ثبوته حين العقد؟

وجهان ، منشؤهما اختلاف كلمات العلماء في فتاويهم ومعاقد إجماعهم واستدلالاتهم.

فظاهر عبارة المبسوط والغنية والشرائع (١) وغيرها هو الأوّل ، وفي الغنية : الإجماع على أنّ ظهور الغبن سببٌ للخيار.

وظاهر كلمات آخرين (٢) الثاني. وفي التذكرة : أنّ الغبن سببٌ لثبوت الخيار عند علمائنا (٣). وقولهم : «لا يسقط هذا الخيار بالتصرّف» (٤) فإنّ المراد التصرّف قبل العلم بالغبن ، وعدم السقوط (٥) ظاهرٌ في ثبوته.

__________________

(١) راجع المبسوط ٢ : ٨٧ ، والغنية : ٢٢٤ ، والشرائع ٢ : ٢٢.

(٢) مثل ظاهر المختصر ١ : ١٢١ ، والرياض ٨ : ١٩٠.

(٣) التذكرة ١ : ٥٢٢.

(٤) كما في الشرائع ٢ : ٢٢ ، والإرشاد ١ : ٣٧٤ ، والقواعد ٢ : ٦٧ ، وغاية المراد ٢ : ٩٩ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٢.

(٥) في «ش» : «عدم سقوطه».

ما يؤيّد كونه شرطاً شرعيّاً

وممّا يؤيّد الأوّل : أنّهم اختلفوا (١) في صحّة التصرّفات الناقلة في زمان الخيار ولم يحكموا ببطلان التصرّفات الواقعة من الغابن حين جهل المغبون ، بل صرّح بعضهم (٢) بنفوذها وانتقال المغبون بعد ظهور غبنه إلى البدل.

ويؤيّده أيضاً : الاستدلال في التذكرة (٣) والغنية (٤) على هذا الخيار بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث تلقّي الركبان : «إنّهم بالخيار إذا دخلوا السوق» (٥) فإنّ ظاهره حدوث الخيار بعد الدخول الموجب لظهور الغبن.

إمكان إرجاع الكلمات إلى أحد الوجهين

هذا ، ولكن لا يخفى إمكان إرجاع الكلمات إلى أحد الوجهين بتوجيه ما كان منها ظاهراً في المعنى الآخر.

وتوضيح ذلك (٦) : أنّه إن أُريد بالخيار السلطنة الفعليّة التي يقتدر بها على الفسخ والإمضاء قولاً أو فعلاً ، فلا يحدث إلاّ بعد ظهور الغبن.

وإن أُريد به ثبوت حقٍّ للمغبون لو علم به لقام بمقتضاه ، فهو ثابتٌ قبل العلم ، وإنّما يتوقّف على العلم إعمال هذا الحقّ ، فيكون حال‌

__________________

(١) راجع تفصيل الأقوال في جامع المقاصد ٤ : ٢٩٥ ، والروضة ٣ : ٤٦٦ ، والرياض ١ : ٥٢٥ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٢.

(٢) لم نعثر على من صرّح بذلك ، نعم صرّح في المسالك ٣ : ٢٠٦ و ٢٠٧ ، والجواهر ٢٣ : ٥٠ ، وغيرهما : بعدم سقوط خيار المغبون بتصرف الغابن ، بل يفسخ ويرجع إلى المثل أو القيمة.

(٣) التذكرة ١ : ٥٢٢ ، ولكن لم يذكر فيه لفظ الحديث.

(٤) الغنية : ٢٢٤.

(٥) راجع السنن الكبرى للبيهقي ٥ : ٣٤٨ ، باب النهي عن تلقّي السلع.

(٦) شُطب في «ف» على هذه العبارة ، وكتب بدلها في الهامش : «فالأولى أن يقال».