درس مکاسب - خیارات

جلسه ۷۷: خیار تاخیر ۱

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

الخامس

خيار التأخير‌

كلام التذكرة في خيار التأخير

قال في التذكرة : من باع شيئاً ولم يسلّمه إلى المشتري ولا قبض الثمن ولا شرط تأخيره ولو ساعةً لزم البيع ثلاثة أيّام ، فإن جاء المشتري بالثمن في هذه الثلاثة فهو أحقّ بالعين. وإن مضت الثلاثة ولم يأتِ بالثمن تخيّر البائع بين فسخ العقد والصبر والمطالبة بالثمن عند علمائنا أجمع (١).

الدليل على هذا الخيار

والأصل في ذلك قبل الإجماع المحكيّ (٢) عن الانتصار والخلاف والجواهر وغيرها (٣) المعتضد بدعوى الاتّفاق المصرَّح بها في التذكرة (٤)

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) حكاه عنهم السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٦ ، وراجع الانتصار : ٤٣٧ ، المسألة ٢٤٩ ، والخلاف ٣ : ٢٠ ، المسألة ٢٤ ، وجواهر الفقه : ٥٤ ، المسألة ١٩٣.

(٣) مثل : الحدائق ١٩ : ٤٤ ، والرياض ١ : ٥٢٥ ، ومستند الشيعة ١٤ : ٣٩٧ ، والجواهر ٢٣ : ٥١.

(٤) تقدّم التخريج عنها آنفاً ، وراجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٧٦ ٥٧٧.

والظاهرة من غيرها ، وبما ذكره في التذكرة : من أنّ الصبر أبداً مظنّة الضرر المنفيّ بالخبر (١) ، بل الضرر هنا أشدّ من الضرر في الغبن ؛ حيث إنّ المبيع هنا في ضمانه وتلفه منه وملكٌ لغيره لا يجوز له التصرّف فيه الأخبار المستفيضة ، منها :

الروايات الواردة في المقام

رواية عليّ بن يقطين ، قال : «سألت أبا الحسن عليه‌السلام عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن ، قال :

الأجل بينهما ثلاثة أيّام ، فإن قبض (٢) بيعه ، وإلاّ فلا بيع بينهما» (٣).

ورواية إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح ، قال : «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّامٍ ولم يجي‌ء ، فلا بيع له» (٤).

ورواية ابن الحجّاج قال : «اشتريت محمِلاً وأعطيت بعض الثمن وتركته عند صاحبه ، ثمّ احتبست أيّاماً ، ثمّ جئت إلى بائع المحمِل لآخذه ، فقال : قد بعته ، فضحكت ، ثمّ قلت : لا والله! لا أدعك أو أُقاضيك ، فقال : أترضى بأبي بكر بن عيّاش؟ قلت : نعم ، فأتيناه فقصصنا عليه قصّتنا ، فقال أبو بكر : بقول من تحبّ أن يُقضى (٥) بينكما ، بقول صاحبك أو غيره؟ قلت : بقول صاحبي ، قال : سمعته يقول : من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له» (٦).

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٣.

(٢) كذا في «ش» ، وفي «ق» : «قبضه» ، وهو من سهو القلم.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

(٤) نفس المصدر ، الحديث ٤.

(٥) كذا في «ق» ، وفي «ش» والمصدر : «أن أقضي».

(٦) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ٣٥٧ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

وصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام : «قلت له : الرجل يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده ، فيقول : آتيك بثمنه؟ قال : إن جاء ما بينه وبين ثلاثة أيّام ، وإلاّ فلا بيع له» (١).

ظاهر الروايات بطلان البيع

وظاهر هذه الأخبار بطلان البيع ، كما فهمه في المبسوط حيث قال : روى أصحابنا أنّه إذا اشترى شيئاً بعينه بثمنٍ معلومٍ وقال للبائع أجيئك بالثمن ومضى ، فإن جاء في مدّة الثلاثة كان البيع له ، وإن لم يرتجع بطل البيع (٢) ، انتهى.

وربما يُحكى (٣) عن ظاهر الإسكافي (٤) المعبِّر بلفظ الروايات ، وتوقّف فيه المحقّق الأردبيلي (٥) ، وقوّاه صاحب الكفاية (٦) ، وجزم به في الحدائق طاعناً على العلاّمة في المختلف ، حيث إنّه اعترف بظهور الأخبار في خلاف المشهور ثمّ اختار المشهور مستدلا بأنّ الأصل بقاء صحّة العقد ، وحَمَل الأخبار على نفي اللزوم (٧).

أقول : ظهور الأخبار في الفساد في محلّه ، إلاّ أنّ فهم العلماء‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥٦ ، الباب ٩ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٢) المبسوط ٢ : ٨٧ ، وفيه بدل «وإن لم يرتجع» : «وإن لم يجي‌ء».

(٣) في «ش» وهامش «ف» زيادة : «هذا».

(٤) حكاه الشهيد في الدروس ٣ : ٢٧٤ ، وراجع المختلف ٥ : ٧٠.

(٥) راجع مجمع الفائدة ٨ : ٤٠٥ ٤٠٦.

(٦) الكفاية : ٩٢ ، وفيه بعد نقل الخيار عن جماعة ـ : «وعن ظاهر ابن الجنيد والشيخ بطلان البيع ، ولعلّ الأقرب الثاني».

(٧) الحدائق ١٩ : ٤٧ ٤٨ ، وراجع المختلف ٥ : ٧١.

فهم العلماء ممّا يقرّب نفي اللزوم

وحَمَلَةِ الأخبار نفيَ اللزوم (١) ممّا يقرّب هذا المعنى ؛ مضافاً إلى ما يقال : من أنّ قوله عليه‌السلام في أكثر تلك الأخبار : «لا بيع له» ظاهرٌ في انتفاء البيع بالنسبة إلى المشتري فقط ، ولا يكون إلاّ نفي اللزوم من طرف البائع ، إلاّ أنّ في رواية ابن يقطين : «فلا بيع بينهما».

وكيف كان ، فلا أقلّ من الشكّ فيرجع إلى استصحاب الآثار المترتّبة على البيع.

وتوهّم : كون الصحّة سابقاً في ضمن اللزوم ، فترتفع بارتفاعه ، مندفعٌ : بأنّ اللزوم ليس من قبيل الفصل للصحّة ، وإنّما هو حكمٌ مقارنٌ له في خصوص البيع الخالي من الخيار.

ثمّ إنّه يشترط في هذا الخيار أُمور :

شرائط خيار التأخير :

١ ـ عدم قبض المبيع

أحدها : عدم قبض المبيع ، ولا خلاف في اشتراطه ظاهراً ، ويدلّ عليه من الروايات المتقدّمة قوله عليه‌السلام في صحيحة عليّ بن يقطين المتقدّمة : «فإن قبض بيعه ، وإلاّ فلا بيع بينهما» (٢) بناءً على أنّ «البيع» هنا بمعنى المبيع.

لكن في الرياض : إنكار دلالة الأخبار على هذا الشرط (٣) ، وتبعه بعض المعاصرين (٤). ولا أعلم له وجهاً غير سقوط هذه الفقرة عن‌

__________________

(١) في «ش» : «وحملهم الأخبار على نفي اللزوم».

(٢) تقدّمت في الصفحة ٢١٨.

(٣) راجع الرياض ١ : ٥٢٥.

(٤) وهو صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٣ : ٥٣ ، وجاء في المستند ١٤ : ٣٩٨ : «وأكثر تلك الأخبار وإن كانت مطلقة بالنسبة إلى إقباض المبيع وعدمه ..».

النسخة المأخوذ منها الرواية ، أو احتمال قراءة «قَبَض» بالتخفيف ، و «بيّعُه» بالتشديد ، يعني : قَبَضَ بائعُه الثمنَ. ولا يخفى ضعف هذا الاحتمال ؛ لأنّ استعمال «البيّع» بالتشديد مفرداً نادر ، بل لم يوجد ، مع إمكان إجراء أصالة عدم التشديد ، نظير ما ذكره في الروضة : من أصالة عدم المدّ في لفظ «البكاء» الوارد في قواطع الصلاة (١).

لو كان عدم قبض المشتري لعدوان البائع

ثمّ إنّه لو كان عدم قبض المشتري لعدوان البائع بأن بذله (٢) الثمن فامتنع من أخذه وإقباض المبيع فالظاهر عدم الخيار ؛ لأنّ ظاهر النصّ والفتوى كون هذا الخيار إرفاقاً للبائع ودفعاً لتضرّره ، فلا يجري فيما إذا كان الامتناع من قِبَله.

لو قبضه المشتري على وجهٍ يكون للبائع استرداده

ولو قبضه المشتري على وجهٍ يكون للبائع استرداده كما إذا كان بدون إذنه مع عدم إقباض الثمن ففي كونه ك‍ «لا قبض» مطلقاً ، أو مع استرداده ، أو كونه قبضاً ، وجوهٌ ، رابعها : ابتناء المسألة على ما سيجي‌ء في أحكام القبض ، من ارتفاع الضمان عن البائع بهذا القبض وعدمه (٣).

ولعلّه الأقوى ؛ إذ مع ارتفاع الضمان بهذا القبض لا ضرر على البائع إلاّ من جهة وجوب حفظ المبيع لمالكه وتضرّره بعدم وصول ثمنه إليه ، وكلاهما ممكن الاندفاع بأخذ المبيع مقاصّةً. وأمّا مع عدم ارتفاع الضمان بذلك فيجري دليل الضرر بالتقريب المتقدّم وإن ادّعي انصراف‌

__________________

(١) الروضة البهيّة ١ : ٥٦٥.

(٢) في «ش» : «بذل له».

(٣) انظر الجزء السادس ، الصفحة ٢٧٤ ٢٧٥.