درس مکاسب - خیارات

جلسه ۹۶: خیار عیب ۳

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

القول في مسقطات هذا الخيار‌

بطرفيه أو أحدهما.

مسألة

يسقط الردّ خاصّةً بأُمور :

مسقطات الردّ :

١ ـ التصريح باسقاطه

أحدها : التصريح بالتزام العقد وإسقاط الردّ واختيار الأرش ، ولو أطلق الالتزام بالعقد فالظاهر عدم سقوط الأرش ، ولو أسقط الخيار فلا يبعد سقوطه.

٢ ـ التصرّف في المعيب

الثاني : التصرّف في المعيب عند علمائنا‌ كما في التذكرة (١) ، وفي السرائر : الإجماع على أنّ التصرّف يُسقط الردّ بغير خلافٍ منهم (٢) ، ونحوه المسالك (٣) ، وسيأتي الخلاف في الجملة من الإسكافي والشيخين‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٢٥.

(٢) السرائر ٢ : ٣٠٢.

(٣) راجع المسالك ٣ : ٢٨٣ ، ولكن ليس فيه دعوى الإجماع أو نفي الخلاف ، نعم قال في الصفحة ٢٠١ في خيار الحيوان : «لا خلاف في سقوطه بالتصرّف».

وابن زهرة وظاهر المحقّق ، بل المحقّق الثاني (١).

الاستدلال على مسقطيّة التصرّف

واستدلّ [عليه (٢)] في التذكرة أيضاً تبعاً للغنية (٣) ـ : بأنّ تصرّفه فيه رضاً منه به على الإطلاق ، ولو لا ذلك كان ينبغي له الصبر والثبات حتّى يعلم حال صحّته وعدمها ، وبقول أبي جعفر عليه‌السلام في الصحيح : «أيّما رجلٍ اشترى شيئاً وبه عيبٌ أو عوارٌ ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّنه (٤) فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً و (٥) علم بذلك العوار وبذلك العيب ، فإنّه يمضي عليه البيع ، ويردّ عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به» (٦).

ويدلّ عليه مرسلة جميل عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيباً؟ قال : إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن ، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب» (٧).

هل يسقط الردّ بمطلق التصرّف؟

هذا ، ولكنّ الحكم بسقوط الردّ بمطلق التصرّف ، حتّى مثل قول‌

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٨٦ ٢٨٩.

(٢) لم يرد في «ق».

(٣) راجع الغنية : ٢٢٢.

(٤) في «ش» : «ولم يتبيّن له» ، واختلفت المصادر الحديثيّة فيها.

(٥) في «ش» بدل «و» : «ثمّ».

(٦) التذكرة ١ : ٥٢٥ ، والرواية أوردها في الوسائل ١٢ : ٣٦٢ ، الباب ١٦ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

(٧) الوسائل ١٢ : ٣٦٣ ، الباب ١٦ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

المشتري للعبد المشترى «ناولني الثوب» أو «أغلق الباب» على ما صرّح به العلاّمة في التذكرة (١) في غاية الإشكال ؛ لإطلاق قوله عليه‌السلام : «إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه» المعتضد بإطلاق الأخبار في الردّ خصوصاً ما ورد في ردّ الجارية بعد ما لم تحض ستّة أشهرٍ عند المشتري (٢) (٣) ونحو ذلك ممّا يبعد التزام التقييد فيه بصورة عدم التصرّف فيه بمثل «أغلق الباب» ونحوه وعدم (٤) ما يصلح للتقييد ممّا استدلّ به للسقوط ، فإنّ مطلق التصرّف لا يدلّ على الرضا ، خصوصاً مع الجهل بالعيب.

وأمّا المرسلة (٥) فقد عرفت إطلاقها لما يشمل لبس الثوب واستخدام العبد ، بل وطء الجارية لولا النصّ المسقط للخيار به.

وأمّا الصحيحة (٦) فلا يُعلم المراد من «إحداث شي‌ءٍ في المبيع» لكن الظاهر بل المقطوع عدم شموله لغةً ولا عرفاً لمثل استخدام العبد وشبهه ممّا مرّ من الأمثلة ، فلا يدلّ على أزيد ممّا دلّ عليه ذيل المرسلة : من أنّ العبرة بتغيّر العين وعدم قيامها بعينها. اللهمّ إلاّ أن‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٠.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ٤١٣ ، الباب ٣ من أبواب أحكام العيوب ، وفيه حديث واحد.

(٣) في «ش» زيادة : «وردّ المملوك في أحداث السنة».

(٤) عطف على قوله : «لإطلاق».

(٥) يعني مرسلة جميل المتقدّمة في الصفحة السابقة.

(٦) يعني صحيحة زرارة المتقدّمة في الصفحة السابقة أيضاً.

يستظهر بمعونة ما تقدّم في خيار الحيوان : من النصّ الدالّ على أنّ المراد بإحداث الحدث في المبيع هو : أن ينظر إلى ما حرم النظر إليه قبل الشراء (١) ، فإذا كان مجرّد النظر المختصّ بالمالك حدثاً دلّ على سقوط الخيار هنا وفي الحيوان (٢) بكلّ تصرّفٍ ، فيكون ذلك النصّ دليلاً على المراد بالحدث هنا. وهذا حسنٌ ، لكن إقامة البيّنة على اتّحاد معنى الحدث في المقامين مع عدم مساعدة العرف على ظهور الحدث في هذا المعنى مشكلةٌ (٣).

هل مسقطيّة التصرّف من حيث دلالته على الرضا؟

ثمّ إنّه إذا قلنا بعموم الحدث في هذا المقام لمطلق التصرّف ، فلا دليل على كونه من حيث الرضا بالعقد (٤) وإن كان النصّ في خيار الحيوان دالاّ على ذلك ، بقرينة التعليل المذكور فيه على الوجوه المتقدّمة (٥) في المراد من التعليل (٦). لكن كلمات كثيرٍ منهم في هذا المقام أيضاً تدلّ على سقوط هذا الخيار بالتصرّف من حيث الرضا ، بل عرفت من التذكرة والغنية : أنّ علّة السقوط دلالة التصرّف نوعاً على الرضا (٧).

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٣٥١ ، الباب ٤ من أبواب الخيار ، الحديث ١ ٣ ، وراجع الصفحة ٩٧ ٩٨.

(٢) لم ترد «وفي الحيوان» في «ش».

(٣) في «ق» : «مشكل».

(٤) في «ش» زيادة : «فلا يتقيّد بالتصرّف الدالّ عليه».

(٥) في «ش» زيادة : «هناك».

(٦) تقدّمت في الصفحة ١٠٠ ١٠٢.

(٧) راجع الصفحة ٢٨٠.

ظهور كلمات الفقهاء في ذلك

ونحوه في الدلالة على كون السقوط بالتصرّف من حيث دلالته على الرضا كلماتُ جماعةٍ ممّن تقدّم عليه ومن تأخّر عنه.

قال في المقنعة : فإن لم يعلم المبتاع بالعيب حتّى أحدث فيه حدثاً لم يكن له الردّ ، وكان له أرش العيب خاصّةً ، وكذلك حكمه إذا أحدث فيه حدثاً بعد العلم ، ولا يكون إحداثه الحدث بعد المعرفة بالعيب رضاً به منه (١) ، انتهى.

فإنّ تعليله عدمَ سقوط الأرش بعدم دلالة الإحداث على الرضا بالعيب ظاهرٌ خصوصاً بملاحظة ما يأتي من كلام غيره في أنّ سقوط الردّ بالحدث لدلالته على الرضا بأصل البيع ، ومثلها عبارة النهاية من غير تفاوتٍ (٢).

وقال في المبسوط : إذا كان المبيع بهيمةً فأصاب بها عيباً كان له ردّها ، فإذا كان في طريق الردّ جاز له ركوبها وعلفها وسقيها وحلبها وأخذ لبنها ، وإن نتجت كان له نتاجها ؛ كلّ هذا لأنّه ملكه وله فائدته وعليه مئونته ، والردّ لا يسقط ، لأنّه إنّما يسقط الردّ بالرضا بالمعيب أو ترك الردّ بعد العلم به أو بأن يحدث فيه عيبٌ عنده ، وليس هنا شي‌ءٌ من ذلك (٣) ، انتهى.

وقال في الغنية : ولا يسقط بالتصرّف بعد العلم بالعيب حقُّ المطالبة بالأرش ؛ لأنّ التصرّف دلالة الرضا بالبيع لا بالعيب (٤) ، انتهى.

__________________

(١) المقنعة : ٥٩٧.

(٢) راجع النهاية : ٣٩٣ ، لكن مع تفاوت في الألفاظ.

(٣) المبسوط ٢ : ١٣٩.

(٤) الغنية : ٢٢٢.

وفي السرائر ، قال في حكم من ظهر على عيبٍ فيما اشتراه : ولا يجبر على أحد الأمرين يعني الردّ والأرش قال : هذا إذا لم يتصرّف فيه تصرّفاً يؤذن بالرضا في العادة ، أو ينقص قيمته بتصرّفه (١) ، انتهى.

وفي الوسيلة : ويسقط الردّ بأحد ثلاثة أشياء : بالرضا ، وبترك الردّ بعد العلم به والمعرفة (٢) إذا عرف أنّ له الخيار (٣) ، وبحدوث عيبٍ آخر عنده (٤) ، انتهى.

وهي بعينه كعبارة المبسوط المتقدّمة ظاهرةٌ في أنّ التصرّف ليس بنفسه مسقطاً إلاّ إذا دلّ على الرضا.

وقال في التذكرة : لو ركبها ليسقيها ثمّ يردّها لم يكن ذلك رضاً منه بإمساكها ، ولو حلبها في طريق الردّ فالأقوى أنّه تصرّفٌ يؤذن بالرضا بها. وقال بعض الشافعيّة : لا يكون رضاً بإمساكه ؛ لأنّ اللبن مالُه قد استوفاه في حال الردّ (٥) ، انتهى.

وفي جامع المقاصد والمسالك في ردّ ابن حمزة القائل بأنّ التصرّف بعد العلم يسقط الأرش أيضاً ـ : أنّ التصرّف لا يدلّ على إسقاط الأرش ، نعم يدلّ على الالتزام بالعقد (٦).

__________________

(١) السرائر ٢ : ٢٧٧.

(٢) لم ترد «والمعرفة» في «ش» والمصدر.

(٣) في «ش» والمصدر : «الردّ».

(٤) الوسيلة : ٢٥٦.

(٥) التذكرة ١ : ٥٢٩.

(٦) جامع المقاصد ٤ : ٣٣٢ ، والمسالك ٣ : ٢٨٣ ٢٨٤.

وفي التحرير : لو نقل المبيع أو عرضه للبيع أو تصرّف فيه بما يدلّ على الرضا قبل علمه بالعيب وبعده سقط الردّ (١) ، انتهى.

عدم كون التصرّف من حيث هو مسقطاً

هل التصرّف قبل العلم بالعيب يسقط الردّ؟

وقد ظهر من جميع ذلك : أنّ التصرّف من حيث هو ليس مسقطاً ، وإنّما هو التزامٌ ورضاً بالعقد فعلاً ، فكلّ تصرّفٍ يدلّ على ذلك عادةً فهو مسقطٌ ، وما ليس كذلك فلا دليل على الإسقاط به ، كما لو وقع نسياناً أو للاختبار ، ومقتضى ذلك : أنّه لو وقع التصرّف قبل العلم بالعيب لم يسقط ، خصوصاً إذا كان ممّا يتوقّف العلم بالعيب عليه وحصل بقصد الاختبار ، إلاّ أنّ المعروف خصوصاً بين العلاّمة ومن تأخّر عنه (٢) ـ : عدم الفرق في السقوط بالتصرّف بين وقوعه قبل العلم بالعيب أو بعده.

رأي المؤلّف في المسألة

والذي ينبغي أن يقال وإن كان ظاهر المشهور خلافه ـ : إنّ التصرّف بعد العلم مسقطٌ للردّ إذا كان دالاّ بنوعه على الرضا كدلالة اللفظ على معناه ، لا مطلق التصرّف ، والدليل على إسقاطه مضافاً إلى أنّه التزامٌ فعليٌّ فيدلّ عليه ما يدلّ على اعتبار الالتزام إذا دلّ عليه باللفظ ـ : ما تقدّم في خيار الحيوان (٣) من تعليل السقوط بالحدث بكونه رضاً بالبيع ، ولذا تعدّينا إلى خيار المجلس والشرط وحكمنا بسقوطهما بالتصرّف ، فكذلك خيار العيب.

وأمّا التصرّف قبل العلم بالعيب ، فإن كان مغيِّراً للعين بزيادةٍ أو‌

__________________

(١) التحرير ١ : ١٨٤.

(٢) راجع التحرير ١ : ١٨٣ ، والقواعد ٢ : ٧٤ ، والدروس ٣ : ٢٨٣.

(٣) تقدّم في الصفحة ٩٧.