درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۰۲: خیار عیب ۹

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

حدوث العيب في مبيعٍ صحيح (١). ولعلّ الفرع الأوّل مترتّبٌ عليه ؛ لأنّ العيب الحادث إذا لم يكن مضموناً على البائع حتّى يكون سبباً للخيار غاية الأمر كونه غير مانعٍ عن الردّ كخيار (٢) الثلاثة كان مانعاً عن الردّ بالعيب السابق ؛ إذ لا يجوز الردّ بالعيب مع حدوث عيبٍ مضمونٍ على المشتري ، فيكون الردّ في زمان الخيار بالخيار ، لا بالعيب السابق.

فمنشأ هذا القول عدم ضمان البائع للعيب الحادث ؛ ولذا ذكر في اللمعة : أنّ هذا من المحقّق منافٍ لما ذكره في الشرائع : من أنّ العيب الحادث في الحيوان مضمونٌ على البائع ، مع حكمه بعدم الأرش (٣).

ثمّ إنّه ربما يجعل (٤) قول المحقّق عكساً لقول شيخه ، ويضعّف كلاهما بأنّ الظاهر تعدّد الخيار ، وفيه : أنّ قول ابن نما رحمه‌الله لا يأبى عن التعدّد ، كما لا يخفى.

العيب الحادث بعد القبض والخيار

وأمّا الثالث أعني العيب الحادث في يد المشتري بعد القبض والخيار فالمشهور أنّه مانعٌ عن الردّ بالعيب السابق ، بل عن شرح الإرشاد لفخر الإسلام (٥) وفي ظاهر الغنية (٦) الإجماع عليه.

__________________

(١) اللمعة الدمشقية : ١١٨ ١١٩.

(٢) في «ش» : «بالخيارات» ، وفي مصحّحة «ن» : «بخيار عيب».

(٣) اللمعة : ١١٩ ، وراجع الشرائع ٢ : ٥٧ ، وفيه : «ولو حدث فيه من غير جهة المشتري لم يكن ذلك العيب مانعاً من الردّ بأصل الخيار ، وهل يلزم البائع أرشه؟ فيه تردّد ، والظاهر لا».

(٤) جعله صاحب الجواهر في الجواهر ٢٣ : ٢٤٢.

(٥) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٦٢٦.

(٦) الغنية : ٢٢٢.

المراد بالعيب هنا

والمراد بالعيب هنا مجرّد النقص ، لا خصوص ما يوجب الأرش ، فيعمّ عيب الشركة وتبعّض الصفقة إذا اشترى اثنان شيئاً فأراد أحدهما ردّه بالعيب ، أو اشترى واحدٌ صفقةً وظهر العيب في بعضه فأراد ردّ المعيب خاصّةً ؛ ونحوه نسيان العبد الكتابة كما صرّح به في القواعد (١) وغيره (٢) ، ونسيان الدابّة للطحن كما صرّح به في جامع المقاصد (٣).

الاستدلال على الحكم بمرسلة جميل

ويمكن الاستدلال على الحكم في المسألة بمرسلة جميل المتقدّمة (٤) ؛ فإنّ «قيام العين» وإن لم ينافِ بظاهره مجرّد (٥) نقص الأوصاف ، كما اعترف به بعضهم (٦) في مسألة تقديم قول البائع في قدر الثمن مع قيام العين ، إلاّ أنّ الظاهر منه بقرينة التمثيل لمقابله بمثل قطع الثوب وخياطته وصبغه ما يقابل تغيّر الأوصاف والنقص الحاصل ولو لم يوجب أرشاً ، كصبغ الثوب وخياطته.

نعم ، قد يتوهّم شموله لما يقابل الزيادة ، كالسِّمَن وتعلُّم الصنعة. لكنّه يندفع : بأنّ الظاهر من قيام العين بقاؤه بمعنى أن لا ينقص ماليّته ، لا بمعنى أن لا يزيد ولا ينقص ، كما لا يخفى على المتأمّل.

ما استدلّ به العلّامة

واستدلّ العلاّمة في التذكرة على أصل الحكم قبل المرسلة (٧) :

__________________

(١) القواعد ٢ : ٧٥.

(٢) مثل جامع المقاصد ٤ : ٣٤١ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٦٤٠.

(٣) جامع المقاصد ٤ : ٣٤٢.

(٤) تقدّمت في الصفحة ٢٨٠.

(٥) في «ف» : «لمجرّد».

(٦) اعترف به الشهيد الثاني في المسالك ٣ : ٢٦٢.

(٧) يعني مرسلة جميل المشار إليها آنفاً.

بأنّ العيب الحادث يقتضي إتلاف جزءٍ من المبيع ، فيكون مضموناً على المشتري ، فيسقط ردّه ؛ للنقص الحاصل في يده ؛ فإنّه ليس تحمّل البائع له بالعيب السابق أولى من تحمّل المشتري به للعيب الحادث (١).

والمرسلة (٢) لا تشمل جميع أفراد النقص ، مثل نسيان الدابّة للطحن وشبهه.

المناقشة في الاستدلالين

والوجه المذكور بعدها (٣) قاصرٌ عن إفادة المدّعى ؛ لأنّ المرجع بعد عدم الأولويّة من أحد الطرفين إلى أصالة ثبوت الخيار وعدم ما يدلّ على سقوطه ، غاية الأمر أنّه لو كان الحادث عيباً كان عليه الأرش للبائع إذا ردّه ، كما لو تقايلا أو فسخ أحدهما بخياره بعد تعيّب العين. أمّا مثل نسيان الصنعة وشبهه فلا يوجب أرشاً بل يردّه ؛ لأنّ النقص حدث في ملكه وإنّما يضمن وصف الصحّة لكونه كالجزء التالف ، فيرجع (٤) بعد الفسخ ببدله.

نعم ، لو عُلّل الردّ بالعيب القديم بكون الصبر على المعيب ضرراً ، أمكن أن يقال : إنّ تدارك ضرر المشتري بجواز الردّ مع تضرّر البائع بالصبر على العيب الحادث ممّا لا يقتضيه قاعدة نفي الضرر. لكنّ العمدة في دليل الردّ هو النصّ والإجماع ، فاستصحاب الخيار عند الشكّ في المسقط لا بأس به.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٠.

(٢) في «ش» : «هذا» ، ولكنّ المرسلة.

(٣) في «ش» بدل «بعدها» : «في التذكرة».

(٤) في «ش» زيادة : «البائع».

المستفاد من المرسلة إناطة الحكم بمطلق النقص

إلاّ أنّ الإنصاف أنّ المستفاد من التمثيل في الرواية بالصبغ والخياطة هو إناطة الحكم بمطلق النقص.

توضيح ذلك : أنّ المراد ب «قيام العين» هو ما يقابل الأعمّ من تلفها وتغيّرها ، على ما عرفت من دلالة ذكر الأمثلة على ذلك. لكنّ المراد من التغيّر هو الموجب للنقص لا الزيادة ، لأنّ مثل السِّمَن لا يمنع الردّ قطعاً ، والمراد بالنقص هو الأعمّ من العيب الموجب للأرش ، فإنّ النقص الحاصل بالصبغ والخياطة إنّما هو لتعلّق حقّ المشتري بالثوب من جهة الصبغ والخياطة ، وهذا ليس عيباً اصطلاحيّاً.

ودعوى : اختصاصه بالتغيّر الخارجي الذي هو مورد الأمثلة فلا يعمّ مثل نسيان الدابّة للطحن.

يدفعه : أنّ المقصود مجرّد النقص ، مع أنّه إذا ثبت الحكم في النقص الحادث وإن لم يكن عيباً اصطلاحيّاً ، ثبت في المغيّر وغيره ؛ للقطع بعدم الفرق ، فإنّ المحتمل هو ثبوت الفرق في النقص الحادث بين كونه عيباً اصطلاحيّاً لا يجوز ردّ العين إلاّ مع أرشه ، وكونه مجرّد نقصٍ لا يوجب أرشاً كنسيان الكتابة والطحن. أمّا الفرق في (١) أفراد النقص الغير الموجب للأرش بين مغيّر العين حسّا وغيره فلا مجال لاحتماله.

مقتضى الاصل عدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء العيب وزواله

ثمّ إنّ ظاهر المفيد في المقنعة المخالفة في أصل المسألة ، وأنّ حدوث العيب لا يمنع عن الردّ (٢). لكنّه شاذٌّ على الظاهر.

ثمّ مقتضى الأصل عدم الفرق في سقوط الخيار بين بقاء العيب‌

__________________

(١) في «ق» بدل «في» : «بين» ، والظاهر أنّه من سهو القلم.

(٢) راجع المقنعة : ٥٩٧.

الحادث وزواله ، فلا يثبت بعد زواله ؛ لعدم الدليل على الثبوت بعد السقوط.

قال في التذكرة : عندنا أنّ العيب المتجدّد مانعٌ عن الردّ بالعيب السابق ، سواءً زال أم لا (١).

لكن في التحرير : لو زال العيب الحادث عند المشتري ولم يكن بسببه كان له الردّ ولا أرش عليه (٢) ، انتهى.

ولعلّ وجهه : أنّ الممنوع هو ردّه معيوباً لأجل تضرّر البائع وضمان المشتري لما يحدث ، وقد انتفى الأمران.

لو رضي البائع بردّه مجبوراً بالأرش

ولو رضي البائع بردّه مجبوراً بالأرش أو غير مجبورٍ جاز الردّ ، كما في الدروس (٣) وغيره (٤) ؛ لأنّ عدم الجواز لحقّ البائع ، وإلاّ فمقتضى قاعدة خيار الفسخ عدم سقوطه بحدوث العيب ، غاية الأمر ثبوت قيمة العيب ، وإنّما منع من الردّ هنا للنصّ (٥) والإجماع ، أو للضرر.

المراد بالارش الذي يغرمه المشتري عند الردّ

وممّا ذكرنا يعلم : أنّ المراد بالأرش الذي يغرمه المشتري عند الردّ قيمة العيب ، لا الأرش الذي يغرمه البائع للمشتري عند عدم الردّ ؛ لأنّ العيب القديم مضمونٌ بضمان المعاوضة والحادث مضمونٌ بضمان اليد.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٠.

(٢) التحرير ١ : ١٨٣.

(٣) الدروس ٣ : ٢٨٤.

(٤) الروضة البهيّة ٣ : ٤٩٦ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٦٢٧.

(٥) وهو مرسلة جميل المتقدّمة في الصفحة ٢٨٠.