درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۰۸: خیار عیب ۱۵

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

والأظهر في العرف هو المعنى الأوّل ، والأنسب بمعنى البراءة هو الثاني.

وقد تقدّم عن التذكرة المعنى الثالث (١) ، وهو بعيدٌ عن اللفظ ، إلاّ أن يرجع إلى المعنى الأوّل. والأمر سهلٌ.

التبريّ من العيوب مسقط للخيار فقط

ثمّ إنّ تبرّي البائع عن العيوب مطلقاً أو عن عيبٍ خاصٍّ إنّما يسقط تأثيره من حيث الخيار. أمّا سائر أحكامه فلا ، فلو تلف بهذا العيب في أيّام خيار المشتري لم يزل ضمان البائع لعموم النصّ (٢).

لكن في الدروس : أنّه لو تبرّأ من عيبٍ فتلف به في زمن خيار المشتري فالأقرب عدم ضمان البائع ، وكذا لو علم المشتري به قبل العقد أو رضي به بعده وتلف في زمان خيار المشتري. ويحتمل الضمان ؛ لبقاء علاقة الخيار المقتضي لضمان العين معه. وأقوى إشكالاً ما لو تلف به وبعيبٍ آخر تجدَّدَ في الخيار (٣) ، انتهى كلامه رفع مقامه.

ما قيل بكونه مسقطاً للردّ والارش :

١ ـ زوال العيب قبل العلم به

ثمّ إنّ هنا أُموراً يظهر من بعض الأصحاب سقوط الردّ والأرش بها :

منها : زوال العيب قبل العلم به ، كما صرّح به في غير موضعٍ من التذكرة (٤) ، ومال إليه في جامع المقاصد (٥) ، واختاره في المسالك (٦).

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٣٢٢.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ٣٥١ و ٣٥٥ ، الباب ٥ و ٨ من أبواب الخيار.

(٣) الدروس ٣ : ٢٨٣.

(٤) التذكرة ١ : ٥٢٧ و ٥٤١.

(٥) جامع المقاصد ٤ : ٣٥٢.

(٦) المسالك ٣ : ٢٩٣.

بل وكذا لو زال بعد العلم به قبل الردّ ، وهو ظاهر التذكرة حيث قال في أواخر فصل العيوب : لو كان المبيع معيباً عند البائع ثمّ أقبضه وقد زال عيبه فلا ردَّ ، لعدم موجبه. وسبق العيب لا يوجب خياراً كما لو سبق على العقد ثمّ زال قبله ، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الردّ سقط حقّ الردّ (١) ، انتهى.

وهو صريحٌ في سقوط الردّ وظاهرٌ في سقوط الأرش كما لا يخفى على المتأمّل ، خصوصاً مع تفريعه في موضعٍ آخر قبل ذلك عدم الردّ والأرش معاً على زوال العيب ، حيث قال : لو اشترى عبداً وحدث في يد المشتري نكتةُ بياضٍ في عينه ووجد نكتةٌ قديمةٌ ثمّ زالت إحداهما ، فقال البائع : الزائلة هي القديمة فلا ردَّ ولا أرش ، وقال المشتري : بل الحادثة ولي الردّ ، قال الشافعي يتحالفان .. إلى آخر ما حكاه عن الشافعي (٢).

وكيف كان ، ففي سقوط الردّ بزوال العيب وجهٌ ؛ لأنّ ظاهر أدلّة الردّ خصوصاً بملاحظة أنّ الصبر على العيب ضررٌ هو ردّ المعيوب وهو المتلبّس بالعيب ، لا ما كان معيوباً في زمانٍ ، فلا يتوهّم هنا استصحاب الخيار.

وأمّا الأرش ، فلمّا ثبت استحقاق المطالبة به لفوات وصف الصّحة عند العقد فقد استقرّ بالعقد ، خصوصاً بعد العلم بالعيب ، والصحّة إنّما حدثت في ملك المشتري ، فبراءة ذمّة البائع عن عهدة العيب المضمون عليه يحتاج إلى دليلٍ ، فالقول بثبوت الأرش وسقوط الردّ قويٌّ لو لم يكن تفصيلاً‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٤١.

(٢) التذكرة ١ : ٥٣٠.

مخالفاً للإجماع. ولم أجد من تعرّض لهذا الفرع قبل العلاّمة أو بعده (١).

٢ ـ التصرّف بعد العلم بالعيب

ومنها : التصرّف بعد العلم بالعيب ، فإنّه مسقطٌ للأمرين عند ابن حمزة في الوسيلة (٢). ولعلّه لكونه علامة الرضا بالمبيع بوصف العيب ، والنصّ المثبت للأرش بعد التصرّف ظاهرٌ فيما قبل العلم. ورُدّ بأنّه دليل الرضا بالمبيع لا بالعيب.

والأولى أن يقال : إنّ الرضا بالعيب لا يوجب إسقاط الأرش ، وإنّما المسقط له إبراء البائع عن عهدة العيب ، وحيث لم يدلّ التصرّف عليه فالأصل بقاء حقّ الأرش الثابت قبل التصرّف ، مع أنّ اختصاص النصّ بصورة التصرّف قبل العلم ممنوعٌ ، فليراجع.

٣ ـ التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب

ومنها : التصرّف في المعيب الذي لم ينقص قيمته بالعيب ، كالبغل الخصيّ بل العبد الخصيّ على ما عرفت (٣) ، فإنّ الأرش منتفٍ لعدم تفاوت القيمة ، والردّ لأجل التصرّف.

وقد يستشكل فيه من حيث لزوم الضرر على المشتري بصبره على المعيب (٤).

__________________

(١) في «ش» زيادة ما يلي :

«نعم ، هذا داخل في فروع القاعدة التي اخترعها الشافعي ، وهو : أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد. لكن عرفت مراراً أنّ المرجع في ذلك هي الأدلّة ولا منشأ لهذه القاعدة».

(٢) الوسيلة : ٢٥٧.

(٣) عرف في الصفحة ٣١٨.

(٤) استشكل فيه الشهيدان في الدروس ٣ : ٢٨٨ ، والمسالك ٣ : ٢٨٤ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٦١٣.

وفيه : أنّ العيب في مثله لا يُعدّ ضرراً ماليّاً بالفرض ، فلا بأس بأن [يكون (١)] الخيار فيه كالثابت بالتدليس في سقوطه بالتصرّف مع عدم أرشٍ فيه.

وحلّه : أنّ الضرر إمّا أن يكون من حيث القصد إلى ما هو أزيد ماليّةً من الموجود ، وإمّا أن يكون من حيث القصد إلى خصوصيّةٍ مفقودةٍ في العين مع قطع النظر عن قيمته. والأوّل مفروض الانتفاء ، والثاني قد رضي به وأقدم عليه المشتري بتصرّفه فيه ، بناءً على أنّ التصرّف دليل الرضا بالعين الخارجية ، كما لو رضي بالعبد المشروط كتابته مع تبيّن عدمها فيه.

إلاّ أن يقال : إنّ المقدار الثابت من سقوط الردّ بالتصرّف هو مورد ثبوت الأرش ، وإلاّ فمقتضى القاعدة عدم سقوط الردّ بالتصرّف كما في غير العيب والتدليس من أسباب الخيار ، خصوصاً بعد تنزيل الصحّة فيما نحن فيه منزلة الأوصاف المشترطة الّتي لا يوجب فواتها أرشاً ، فإنّ خيار التخلّف فيها لا يسقط بالتصرّف كما صُرّح به (٢). نعم ، لو اقتصر في التصرّف المسقط على ما يدلّ على الرضا كان مقتضى عموم ما تقدّم سقوط الردّ بالتصرّف مطلقاً.

٤ ـ حدوث العيب في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب

ومنها : حدوث العيب في المعيب المذكور ، والاستشكال هنا بلزوم الضرر في محلّه ، فيحتمل ثبوت الردّ مع قيمة النقص الحادث لو كان‌

__________________

(١) لم يرد في «ق».

(٢) راجع الجواهر ٢٣ : ٩٦ ، وجاء فيه حول خيار تخلّف الوصف : «وسقوطه بالتصرف قبل العلم به نحو ما سمعته في الغبن وبعده يسقط إن دلّ على الرضا ، وإلاّ فلا» ، ونسبه في مفتاح الكرامة (٤ : ٥٨٦) إلى ظاهر الأكثر.