درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۱۹: خیار عیب ۲۶

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

استكشاف حال الحقيقة عن حال أغلب الأفراد

الأفراد متّصفةً بصفةٍ لأمرٍ عارضيٍّ أو لأُمورٍ مختلفةٍ ، إلاّ أنّ بناء العرف والعادة على استكشاف حال الحقيقة عن حال أغلب الأفراد ؛ ومن هنا استمرّت العادة على حصول الظنّ بثبوت صفةٍ لفردٍ من ملاحظة أغلب الأفراد ، فإنّ وجود الشي‌ء في أغلب الأفراد لا يمكن (١) الاستدلال به على وجوده في فردٍ غيرها ؛ لاستحالة الاستدلال ولو ظنّاً بالجزئي على الجزئي ، إلاّ أنّه يستدلّ من حال الأغلب على حال القدر المشترك ، ثمّ يستدلّ من ذلك على حال الفرد المشكوك.

المراد بـ «الخلقة الاصليّة»

إذا عرفت هذا تبيّن لك الوجه في تعريف العيب في كلمات كثيرٍ (٢) منهم ب «الخروج عن المجرى الطبيعي» ، وهو ما يقتضيه الخِلقة الأصليّة. وأنّ المراد بالخلقة الأصليّة : ما عليه أغلب أفراد ذلك النوع ، وأنّ ما خرج عن ذلك بالنقص فهو عيبٌ ، وما خرج عنه بالمزيّة فهو كمالٌ ، فالضيعة إذا لوحظت من حيث الخراج فما عليه أغلب الضياع من مقدار الخراج هو مقتضى طبيعتها ، فزيادة الخراج على ذلك المقدار عيبٌ ، ونقصه عنه كمالٌ ، وكذا كونها مورد العساكر.

لو تعارض مقتضى الحقيقة الاصليّة وحال اغلب الافراد

ثمّ لو تعارض مقتضى الحقيقة الأصليّة وحال أغلب الأفراد الّتي يستدلّ بها على حال الحقيقة عرفاً رُجّح الثاني وحُكم للشي‌ء بحقيقةٍ ثانويّةٍ اعتباريّةٍ يُعتبر الصحّة والعيب والكمال بالنسبة إليها. ومن هنا لا يُعدّ ثبوت الخراج على الضيعة عيباً مع أنّ حقيقتها لا تقتضي ذلك ،

__________________

(١) في «ش» : «وإن لم يمكن».

(٢) منهم العلامة في القواعد ٢ : ٧٢ ، وراجع جامع المقاصد ٤ : ٣٢٢ ٣٢٣ ، والحدائق ١٩ : ١١٣ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٦١٠.

وإنّما هو شي‌ءٌ عرض أغلب الأفراد فصار مقتضى الحقيقة الثانوية ، فالعيب لا يحصل إلاّ بزيادة الخراج على مقتضى الأغلب. ولعلّ هذا هو الوجه في قول كثيرٍ منهم (١) بل عدم الخلاف بينهم في أنّ الثيبوبة ليست عيباً في الإماء.

وقد ينعكس الأمر فيكون العيب في مقتضى الحقيقة الأصليّة ، والصحّة (٢) من مقتضى الحقيقة الثانوية ، كالغُلفة فإنّها عيبٌ في الكبير ؛ لكونها مخالفةً لما عليه الأغلب. إلاّ أن يقال : إنّ الغُلفة بنفسها ليست عيباً إنّما العيب كون الأغلف مورداً للخطر بختانه ؛ ولذا اختصّ هذا العيب بالكبير دون الصغير.

ويمكن أن يقال : إنّ العبرة بالحقيقة الأصليّة والنقص عنها عيبٌ وإن كان على طبق الأغلب ، إلاّ أنّ حكم العيب لا يثبت مع إطلاق العقد حينئذٍ ؛ لأنّه إنّما يثبت من جهة اقتضاء الإطلاق للالتزام بالسلامة ، فيكون كما لو التزمه صريحاً في العقد ، فإذا فُرض الأغلب على خلاف مقتضى الحقيقة الأصليّة لم يقتض الإطلاق ذلك بل اقتضى عكسه ، أعني التزام البراءة من ذلك النقص. فإطلاق العقد على الجارية بحكم الغلبة منزَّلٌ على التزام البراءة من عيب الثيبوبة ، وكذا الغُلفة في الكبير ، فهي‌

__________________

(١) منهم : المحقّق في الشرائع ٢ : ٣٧ ، والمختصر النافع : ١٢٦ ، والعلاّمة في القواعد ٢ : ٧٣ ، وغيره من كتبه ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٤٨٠ مع ادّعائه عدم الخلاف بين الأصحاب ، راجع تفصيل الأقوال في مفتاح الكرامة ٤ : ٦١٨ ، والجواهر ٢٣ : ٢٧٦.

(٢) في «ش» زيادة : «بالخروج» مع تبديل «من» ب «إلى».

أيضاً عيبٌ في الكبير لكون العبد معها مورداً للخطر عند الختان ، إلاّ أنّ الغالب في المجلوب من بلاد الشرك لمّا كان هي الغلفة لم يقتض الإطلاق التزام سلامته من هذا العيب ، بل اقتضى التزام البائع البراءة من هذا العيب.

فقولهم : «إنّ الثيبوبة ليست عيباً في الإماء» ، وقول العلاّمة قدس سرّه في القواعد : «إنّ الغُلفة ليست عيباً في الكبير المجلوب» (١) لا يبعد إرادتهم نفي حكم العيب من الردّ والأرش ، لا نفي حقيقته. ويدلّ عليه نفي الخلاف في التحرير عن كون الثيبوبة ليست عيباً (٢) ، مع أنّه في التحرير (٣) والتذكرة (٤) اختار الأرش مع اشتراط البَكارة ، مع أنّه لا أرش في تخلّف الشرط بلا خلافٍ ظاهر.

وتظهر الثمرة فيما لو شرط (٥) المشتري البَكارة والختان ، فإنّه يثبت على الوجه الثاني حكم العيب من الردّ والأرش ؛ لثبوت العيب ، غاية الأمر عدم ثبوت الخيار مع الإطلاق ؛ لتنزّله منزلة تبرّي البائع من هذا العيب ، فإذا زال مقتضى الإطلاق بالاشتراط ثبت حكم العيب. وأمّا على الوجه الأوّل ، فإنّ الاشتراط لا يفيد إلاّ خيار تخلّف الشرط دون الأرش.

__________________

(١) القواعد ٢ : ٧٣ ، والعبارة منقولة بالمعنى ، فإنّه قال عند عدّ العيوب ـ : «وعدم الختان في الكبير ، دون الصغير والأمة والمجلوب من بلاد الشرك».

(٢) التحرير ١ : ١٨٢.

(٣) التحرير ١ : ١٨٦.

(٤) التذكرة ١ : ٥٣٩.

(٥) في «ش» : «اشترط».

لكنّ الوجه السابق أقوى ، وعليه فالعيب إنّما يوجب الخيار إذا لم يكن غالباً في أفراد الطبيعة بحسب نوعها أو صنفها ، والغلبة الصنفيّة مقدّمةٌ على النوعيّة عند التعارض ، فالثيبوبة في الصغيرة الغير المجلوبة عيبٌ ؛ لأنّها ليست غالبةً في صنفها وإن غلبت في نوعها.

هل العيب يدور مدار النقص المالي أو نقص الشيء من حيث عنوانه؟

ثمّ إنّ مقتضى ما ذكرنا دوران العيب مدار نقص الشي‌ء من حيث عنوانه مع قطع النظر عن كونه مالاً ، فإنّ الإنسان الخصيّ ناقصٌ في نفسه وإن فُرض زيادته من حيث كونه مالاً ، وكذا البغل الخصيّ حيوانٌ ناقصٌ وإن كان زائداً من حيث الماليّة على غيره ؛ ولذا ذكر جماعةٌ ثبوت الردّ دون الأرش في مثل ذلك (١).

المحتمل قويّاً أنّ المناط هو النقص المالي

ويحتمل قويّاً أن يقال : إنّ المناط في العيب هو النقص المالي ، فالنقص الخَلقي الغير الموجب للنقص كالخصاء ونحوه ليس عيباً ، إلاّ أنّ الغالب في أفراد الحيوان لمّا كان عدمه كان إطلاق العقد منزَّلاً على إقدام المشتري على الشي‌ء (٢) مع عدم هذا النقص اعتماداً على الأصل والغلبة ، فكانت السلامة عنه بمنزلة شرطٍ اشترط في العقد ، لا يوجب تخلّفه إلاّ خيار تخلّف الشرط.

الثمرة في المسألة

وتظهر الثمرة في طروّ موانع الردّ بالعيب بناءً على عدم منعها عن الردّ بخيار تخلّف الشرط ، فتأمّل. وفي صورة حصول هذا النقص قبل القبض أو في مدّة الخيار ، فإنّه مضمونٌ على الأوّل بناءً على إطلاق‌

__________________

(١) كما تقدّم عنهم في الصفحة ٣١٨ في الموضع الثاني من الموضعين اللذين يسقط فيهما الأرش دون الردّ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٦١٣ ٦١٤.

(٢) في «ش» بدل «الشي‌ء» : «الشراء».