درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۹۲: احکام خیار ۱۶

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

مسألة

هل المبيع يملك بالعقد كما هو المشهور أو يتوقّف على انقضاء الخيار؟

المشهور أنّ المبيع يُملك بالعقد ، وأثر الخيار تزلزل الملك بسبب القدرة على رفع سببه ، فالخيار حقٌّ لصاحبه في ملك الآخر. وحكى المحقّق (١) وجماعةٌ (٢) عن الشيخ : توقّف الملك بعد العقد على انقضاء الخيار. وإطلاقه يشمل الخيار المختصّ بالمشتري ، وصرّح في التحرير بشموله لذلك (٣).

لكن الشهيد في الدروس قال : في تملّك المبيع بالعقد أو بعد الخيار بمعنى الكشف أو النقل خلافٌ ، مأخذه : أنّ الناقل العقد ، والغرض من الخيار الاستدراك وهو لا ينافي الملك ، وأنّ غاية الملك التصرّف الممتنع‌

__________________

(١) حكاه في الشرائع ٢ : ٢٣ ، والمختصر : ١٢٢ ، بلفظ «وقيل» ، نعم علّق عليه في المسالك ٣ : ٢١٥ بقوله : «والمشهور أنّ القول المحكي للشيخ».

(٢) كشف الرموز ١ : ٤٦١ ، والتنقيح الرائع ٢ : ٥١ ، والمفاتيح ٣ : ٧٥ وغيرها ، ونسب بعضٌ ذلك إلى ظاهر الشيخ وقال بعضٌ آخر : «يلوح من كلام الشيخ». راجع تفصيل ذلك في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٩٢.

(٣) التحرير ١ : ١٦٨.

في زمان الخيار. وربما قطع الشيخ بملك المشتري إذا اختصّ الخيار. وظاهر ابن الجنيد توقّف الملك على انقضاء الخيار (١) ، انتهى.

ما هو رأي الشيخ الطوسي في المسألة؟

فإنّ في هذا الكلام شهادةً من وجهين على عدم توقّف ملك المشتري على انقضاء خياره عند الشيخ ، بل المأخذ المذكور صريحٌ في عدم الخلاف من غير الشيخ قدس‌سره أيضاً ، لكن ينافيه جعل قول ابن الجنيد مقابلاً لقول الشيخ ، واللازم نقل كلام الشيخ قدس‌سره في الخلاف والمبسوط.

كلام الشيخ في الخلاف

قال في محكيّ الخلاف : العقد يثبت بنفس الإيجاب والقبول ، فإن كان مطلقاً فإنّه يلزم بالافتراق بالأبدان ، وإن كان مشروطاً يلزم بانقضاء الشرط ، فإن كان الشرط لهما أو للبائع فإذا انقضى الخيار ملك المشتري بالعقد المتقدّم ، وإن كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البائع عن الملك بنفس العقد ، لكنّه لم ينتقل إلى المشتري حتّى ينقضي الخيار ، فإن انقضى (٢) الخيار ملك المشتري بالعقد الأوّل (٣) ، انتهى.

وظاهر هذا الكلام كما قيل (٤) هو الكشف ، فحينئذٍ يمكن الجمع بين زوال ملك البائع بمعنى عدم حقٍّ له بعد ذلك في المبيع نظير لزوم العقد من طرف الأصيل إذا وقع مع الفضولي وبين عدم انتقاله إلى المشتري بحسب الظاهر حتّى ينقضي خياره ، فإذا انقضى ملك بسبب‌

__________________

(١) الدروس ٣ : ٢٧٠.

(٢) في «ق» بدل فإن «انقضى» : «فإذا انتقل» ، وهو من سهو القلم.

(٣) الخلاف ٣ : ٢٢ ، المسألة ٢٩ من كتاب البيوع.

(٤) قاله الشهيد في المسالك ٣ : ٢١٥.

العقد الأوّل بمعنى كشف الانقضاء عنه ، فيصير انقضاء الخيار للمشتري نظير إجازة عقد الفضولي. ولا يرد حينئذٍ عليه : أنّ اللازم منه بقاء الملك بلا مالك. وحاصل هذا القول : أنّ الخيار يوجب تزلزل الملك.

ويمكن حمله أيضاً على إرادة الملك اللازم الذي لا حقّ ولا علاقة لمالكه السابق فيه ، فوافق المشهور ؛ ولذا عبّر في غاية المراد بقوله : «ويلوح من كلام الشيخ توقّف الملك على انقضاء الخيار» (١) ولم ينسب ذلك إليه صريحاً.

كلام الشيخ في المبسوط

وقال في المبسوط : البيع إن كان مطلقاً غير مشروطٍ فإنّه يثبت بنفس العقد ويلزم بالتفرّق بالأبدان ، وإن كان مشروطاً لزومه بنفس العقد لزم بنفس العقد ، وإن كان مقيّداً بشرطٍ لزم بانقضاء الشرط (٢) ، انتهى.

وظاهره كظاهر الخلاف عدم الفرق بين خيار البائع والمشتري. لكن قال في باب الشفعة : إذا باع شِقصاً بشرط الخيار ، فإن كان الخيار للبائع أو لهما لم يكن للشفيع الشفعة ؛ لأنّ الشفعة إنّما تجب إذا انتقل الملك إليه. وإن كان الخيار للمشتري وجب الشفعة [للشفيع (٣)] لأنّ الملك يثبت للمشتري بنفس العقد ، وله المطالبة بعد [انقضاء] (٤) الخيار.

__________________

(١) غاية المراد ٢ : ١٠٥ ، وفيه : «فيلوح من كلام الشيخ في الخلاف والمبسوط توقّف ملك المشترى على سقوطه».

(٢) المبسوط ٢ : ٨٣.

(٣) و (٤) أثبتناهما من «ش» والمصدر.

وحكم خيار المجلس والشرط في ذلك سواءٌ ، على ما فصّلناه (١). ولعلّ هذا مأخذ ما تقدّم (٢) من النسبة في ذيل عبارة الدروس.

هذا ، ولكن الحلّي قدس‌سره في السرائر ادّعى رجوع الشيخ عمّا ذكره في الخلاف (٣).

استظهار ما يوافق المشهور من المبسوط

ويمكن أن يستظهر من مواضع من المبسوط ما يوافق المشهور.

مثل استدلاله في مواضع على المنع عن التصرّف في مدّة الخيار : بأنّ فيه إبطالاً لحقّ ذي الخيار ، كما في مسألة بيع أحد النقدين على غير صاحبه في المجلس (٤) ، وفي مسألة رهن ما فيه الخيار للبائع (٥) ؛ فإنّه لو قال بعدم الملك تعيّن تعليل المنع به ، لا بإبطال حقّ ذي الخيار من الخيار ؛ لأنّ التعليل بوجود المانع في مقام فقد المقتضي كما ترى! ومنها : أنّه ذكر في باب الصرف جواز تبايع المتصارفين ثانياً في المجلس ؛ لأنّ شروعهما في البيع قطعٌ للخيار (٦) ، مع أنّه لم يصحّح في باب الهبة البيع الذي يتحقّق به الرجوع فيها ، لعدم وقوعه في الملك (٧). فلولا قوله في الخيار بمقالة المشهور لم يصحّ البيع ثانياً ؛ لوقوعه في غير الملك‌

__________________

(١) المبسوط ٣ : ١٢٣.

(٢) تقدّم في الصفحة ١٦١.

(٣) السرائر ٢ : ٣٨٦.

(٤) راجع المبسوط ٢ : ٩٦.

(٥) راجع المبسوط ٢ : ٢١١.

(٦) المبسوط ٢ : ٩٦.

(٧) المبسوط ٣ : ٣٠٤.

على ما ذكره (١) في الهبة.

وربما ينسب (٢) إلى المبسوط اختيار المشهور فيما إذا صار أحد المتبايعين الذي له الخيار مفلّساً ، حيث حكم بأنّ له الخيار في الإجازة والفسخ ، لأنّه ليس بابتداء ملك ؛ لأنّ الملك قد سبق بالعقد (٣) ، انتهى. لكنّ النسبة لا تخلو عن تأمّلٍ لمن لاحظ باقي العبارة.

وقال ابن سعيد قدس‌سره في الجامع على ما حكي عنه ـ : إنّ المبيع يُملك بالعقد وبانقضاء الخيار ، وقيل : بالعقد ولا ينفذ تصرّف المشتري إلاّ بعد انقضاء خيار البائع (٤) ، انتهى.

الأقوى ما هو المشهور والاستدلال عليه

وقد تقدّم حكاية التوقّف عن ابن الجنيد أيضاً (٥).

وكيف كان ، فالأقوى هو المشهور ؛ لعموم أدلّة حِلّ البيع ، وأكل المال إذا كانت تجارةً عن تراضٍ ، وغيرهما ممّا ظاهره كون العقد علّةً تامّةً لجواز التصرّف الذي هو من لوازم الملك.

ويدلّ عليه لفظ «الخيار» في قولهم عليهم‌السلام : «البيّعان بالخيار» (٦) ، وما دلّ على جواز النظر في الجارية في زمان الخيار إلى ما لا يحلّ له‌

__________________

(١) في «ش» : «على ما ذكرنا».

(٢) نسبه العلاّمة بحر العلوم ، انظر المصابيح (مخطوط) : ١١٦.

(٣) المبسوط ٢ : ٢٦٦.

(٤) الجامع للشرائع : ٢٤٨.

(٥) تقدّم في الصفحة ١٦١.

(٦) راجع الوسائل ١٢ : ٣٤٥ ٣٤٦ ، الباب الأوّل من أبواب أحكام الخيار ، الأحاديث ١ و ٢ و ٣.