درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۹۴: احکام خیار ۱۸

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

الاستدلال برواية : «الخراج بالضمان» والمناقشة فيه

وقد يستدلّ (١) أيضاً بالنبويّ المشهور المذكور في كتب الفتوى للخاصّة والعامّة على جهة الاستناد إليه وهو : أنّ «الخراج بالضمان» (٢) بناءً على أنّ المبيع في زمان الخيار المشترك أو المختصّ بالبائع في ضمان المشتري ، فخراجه له ، وهي علامة ملكه.

وفيه : أنّه لم يُعلم من القائلين بتوقّف الملك على انقضاء الخيار القول بكون ضمانه على المشتري حتّى يكون نماؤه له.

العمدة في قول المشهور

وقد ظهر بما ذكرنا : أنّ العمدة في قول المشهور عموم أدلّة «حِلّ البيع» و «التجارة عن تراضٍ» وأخبار الخيار.

الاستدلال للقول الآخر بما دلّ على أنّ تلف المبيع في زمان الخيار من مال البائع

واستدلّ للقول الآخر (٣) بما دلّ على كون تلف المبيع من مال البائع في زمان الخيار (٤) ، فيدلّ بضميمة قاعدة «كون التلف من المالك لأنّه مقابل الخراج» على كونه في ملك البائع ، مثل :

صحيحة ابن سنان «عن الرجل يشتري العبد أو الدابّة بشرطٍ إلى يومٍ أو يومين ، فيموت العبد أو الدابّة أو يحدث فيه حدثٌ ، على مَن ضمان ذلك؟ فقال : على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري ، شرط له البائع أو لم يشترط. قال : وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودةً فهلك في يد المشتري ، فهو‌

__________________

(١) كما استدلّ به في الجواهر ٢٣ : ٨١.

(٢) عوالي اللآلي ١ : ٢١٩ ، الحديث ٨٩ ، وعنه في المستدرك ١٣ : ٣٠٢ ، الباب ٧ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

(٣) وهو القول بأنّ الملك إنّما يتحقّق بانقضاء الخيار.

(٤) استدلّ به في الرياض ٨ : ٢٠٥ ، والجواهر ٢٣ : ٨١.

من مال البائع» (١).

ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل اشترى أمةً من رجلٍ بشرط ، يوماً أو يومين ، فماتت عنده وقد قطع الثمن ، على مَن يكون ضمان ذلك؟ قال : ليس على الذي اشترى ضمانٌ حتّى يمضي شرطه» (٢).

ومرسلة ابن رباط : «إن حدث بالحيوان حدثٌ قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع» (٣).

والنبويّ المرويّ في قرب الإسناد في العبد المشترى بشرطٍ فيموت ، قال : «يستحلف بالله ما رضيه ، ثمّ هو بري‌ءٌ من الضمان» (٤).

المناقشة في الاستدلال المذكور

وهذه الأخبار إنّما تجدي في مقابل من ينكر تملّك المشتري مع اختصاص الخيار ، وقد عرفت أنّ ظاهر المبسوط في باب الشفعة ما حكاه عنه في الدروس : من القطع بتملّك المشتري مع اختصاص الخيار (٥) ، وكذلك ظاهر العبارة المتقدّمة عن الجامع (٦).

__________________

(١) وردت الصحيحة في الكافي والفقيه والتهذيب ، ولكن المنقول في المتن أوفق بما في التهذيب ، انظر التهذيب ٧ : ٢٤ ، الحديث ١٠٣ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٣٥٢ ، الباب ٥ من أبواب الخيار ، الحديث ٣ ، والصفحة ٣٥٥ ، الباب ٨ من أبواب الخيار ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل ١٢ : ٣٥١ ، الباب ٥ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٥٢ ، الباب الأوّل من أبواب الخيار ، الحديث ٥.

(٤) لم نعثر عليه في قرب الإسناد ، ولا على الحاكي عنه ، نعم رواه في الوسائل ١٢ : ٣٥٢ ، الباب ٥ من أبواب الخيار ، الحديث ٤ من التهذيب.

(٥) راجع الصفحة ١٦٢ و ١٦٠ ١٦١.

(٦) تقدّمت في الصفحة ١٦٤.

وعلى أيّ حالٍ ، فهذه الأخبار إمّا أن تجعل مخصِّصة لأدلّة المشهور بضميمة قاعدة تلازم الملك والضمان ، أو لقاعدة التلازم بضميمة أدلّة المسألة ، فيرجع بعد التكافؤ إلى أصالة عدم حدوث الملك بالعقد قبل انقضاء الخيار.

لكن هذا فرع التكافؤ المفقود في المقام من جهاتٍ ، أعظمها الشهرة المحقَّقة المؤيَّدة بالإجماع المحكيّ عن السرائر (١).

هل القول بالتوقّف يشمل الخيار المنفصل؟

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق ما تقدّم من عبارتي المبسوط والخلاف (٢) من كون الخلاف في العقد المقيّد بشرط الخيار عمومُه للخيار المنفصل عن العقد ، كما إذا شرط الخيار من الغد. كما أنّ مقتضى تخصيص الكلام بالعنوان المذكور عدم شموله لخيار غير الشرط والحيوان الذي يطلق عليه الشرط أيضاً.

اختصاص محلّ الكلام بخياري الحيوان والشرط

فخيار العيب والغبن والرؤية والتدليس الظاهر عدم جريان الخلاف فيها.

وممّا يدلّ على الاختصاص : أنّ ما ذكر من الأدلّة مختصّةٌ بالخيارين ، وأنّ الظاهر من لفظ «الانقضاء» في تحريرات محلّ الخلاف انقطاع الخيار الزماني.

دخول خيار المجلس في محلّ الكلام

وأمّا خيار المجلس ، فالظاهر دخوله في محلّ الكلام ؛ لنصّ الشيخ بذلك في عبارته المتقدّمة عنه في باب الشفعة (٣) ، ولقوله في الاستبصار‌

__________________

(١) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٩٢ ، وراجع السرائر ٢ : ٢٤٨ و ٣٨٦.

(٢) تقدّمت عبارتهما في الصفحة ١٦١ و ١٦٢.

(٣) تقدّمت في الصفحة ١٦٢ ١٦٣.

إنّ العقد سببٌ لاستباحة الملك إلاّ أنّه مشروطٌ بأن يتفرّقا بالأبدان ولا يفسخا العقد (١) ، ولنصّ الشيخ في الخلاف والمبسوط على أنّ التفرّق كانقضاء الخيار في لزوم العقد به (٢). ومراده من اللزوم تحقّق علّة الملك ، لا مقابل الجواز ، كما لا يخفى. مع أنّ ظاهر عبارة الدروس المتقدّمة (٣) في مأخذ هذا الخلاف : أنّ كلّ خيارٍ يمنع من التصرّف في المبيع فهو داخلٌ فيما يتوقّف الملك على انقضائه. وكذلك العبارة المتقدّمة في عنوان هذا الخلاف عن الجامع (٤). وقد تقدّم عن الشيخ في صرف المبسوط : أنّ خيار المجلس مانعٌ عن التصرّف في أحد العوضين (٥).

وجه آخر للاختصاص

ومن ذلك يظهر وجهٌ آخر لخروج خيار العيب وإخوته عن محلّ الكلام ، فإنّ الظاهر عدم منعها من التصرّف في العوضين قبل ظهورها ، فلا بدّ أن يقول الشيخ باللزوم والملك قبل الظهور ، والخروج عن الملك بعد الظهور وتنجّز الخيار ، وهذا غير لائقٍ بالشيخ.

فثبت أنّ دخولها في محلّ الكلام مستلزمٌ : إمّا لمنع التصرّف في موارد هذا الخيار ، وإمّا للقول بخروج المبيع عن الملك بعد دخوله ، وكلاهما غير لائقٍ بالالتزام. مع أنّ كلام العلاّمة في المختلف كالصريح في كون التملّك بالعقد اتّفاقياً في المعيب ؛ لأنّه ذكر في الاستدلال : أنّ‌

__________________

(١) الاستبصار ٣ : ٧٣.

(٢) راجع الخلاف ٣ : ٢٢ ، المسألة ٢٩ من كتاب البيوع ، والمبسوط ٢ : ٨٣.

(٣) تقدّمت في الصفحة ١٦٠ ١٦١.

(٤) تقدّمت في الصفحة ١٦٤.

(٥) تقدّم في الصفحة ١٦٣.

المقتضي للملك موجودٌ والخيار لا يصلح للمنع ، كما في بيع المعيب. وذكر أيضاً أنّه لا منافاة بين الملك والخيار ، كما في المعيب (١).

وقد صرّح الشيخ قدس‌سره أيضاً في المبسوط : بأنّه إذا اشترى شيئاً فحصل منه نماءٌ ثمّ وجد به عيباً ردّه دون نمائه ، محتجّاً بالإجماع وبالنبويّ : «الخراج بالضمان» (٢) وستجي‌ء تتمّةٌ لذلك إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) المختلف ٥ : ٦٢.

(٢) المبسوط ٢ : ١٢٦ ، وفيه : «بلا خلاف» ، وراجع الحديث في عوالي اللآلي ١ : ٢١٩ ، الحديث ٨٩ ، وعنه المستدرك ١٣ : ٣٠٢ ، الباب ٧ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.