المقصد الثاني
في النواهي
[وفيه فصول :]
المقصد الثاني
في النواهي
[وفيه فصول :]
فصل
[في عدم دلالة النهي إلّا على الطلب]
الظاهر أنّ النهي بمادّته (١) وصيغته (٢) في الدلالة على الطلب مثل الأمر بمادّته وصيغته (٣) ، غير أنّ متعلّق الطلب في أحدهما (٤) الوجود وفي الآخر (٥) العدم ، فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه (٦) بلا تفاوت أصلا (٧).
__________________
(١) ك «نهى ، ينهى ، الناهي ، المنهي عنه» وغيرها ممّا يؤلّف من «ن ، ه ، ي».
(٢) المراد من صيغة النهي هو كلّ صيغة تدلّ على طلب ترك الفعل ك «لا تفعل» و «إيّاك أن تفعل» وغيرهما ممّا يدلّ على طلب ترك الفعل.
(٣) فكلاهما يدلّان على نفس الطلب.
(٤) وهو الأمر.
(٥) وهو النهي.
(٦) أي : فيعتبر في النهي ما يعتبر في الأمر من كونه صادرا من العالي أو المستعلي أو غيره.
(٧) وحاصل ما أفاده : أنّه لا فرق بين الأمر والنهي في الدلالة الوضعيّة ، فكما أنّ الأمر يدلّ ـ بمادّته وصيغته ـ على الطلب فكذلك النهي يدلّ ـ بمادّته وصيغته ـ على الطلب ، وإنّما الفرق بينهما في أنّ متعلّق الطلب في طرف النهي هو الترك وفي طرف الأمر هو الفعل.
وهذا ما اختاره المصنّف تبعا للمحقّق القميّ في القوانين ١ : ١٣٧ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١١٩. وذهب إليه أيضا المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٣٢٨.
وقد خالفهم كثير من المتأخّرين.
فذهب المحقّق العراقيّ إلى أنّ مدلول الهيئة في الأمر عبارة عن البعث إلى وجود الطبيعة ، وفي النهي عبارة عن الزجر عن وجودها. وأمّا مفاد المادّة فيهما فعبارة عن صرف الطبيعة. نهاية الأفكار ٢ : ٤٠٢. ـ
نعم ، يختصّ النهي بخلاف ، وهو أنّ متعلّق الطلب فيه هل هو الكفّ أو مجرّد الترك وأن لا يفعل؟ (١) والظاهر هو الثاني.
وتوهّم أنّ الترك ومجرّد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار فلا يصحّ أن يتعلّق به البعث والطلب (٢) ؛ فاسد ، فإنّ الترك أيضا يكون مقدورا ، وإلّا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالإرادة والاختيار (٣).
وكون العدم الأزليّ لا بالاختيار (٤) لا يوجب أن يكون كذلك بحسب البقاء
__________________
ـ وذهب السيّد المحقّق البروجرديّ إلى أنّ مفاد الأمر عبارة عن البعث الإنشائيّ نحو العمل المطلوب. ومفاد النهي عبارة عن الزجر الإنشائيّ عن الوجود. نهاية الأصول : ٢٢٢.
وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّهما مختلفان بحسب المعنى ومتّفقان في المتعلّق ، فإنّ الأمر معناه الدلالة على ثبوت شيء في ذمّة المكلّف ، والنهي معناه الدلالة على حرمانه عنه. المحاضرات ٤ : ٨٧ ـ ٨٩.
(١) والفرق بين الكفّ ومجرّد الترك أنّ الكفّ أمر وجوديّ ، لأنّ معناه صرف النفس عن إرادة الفعل. وأمّا الترك فهو أمر عدميّ ويصدق على مطلق العدم. نعم ، صرف النفس عن إرادة الفعل مستلزم للترك.
وذهب إلى الأوّل أكثر العامّة كما ذهب إلى الثاني أكثر الإماميّة. فراجع شرح العضديّ ١ : ١٠٣ ، المحصول في علم اصول الفقه ١ : ٣٥٠ ، إرشاد الفحول : ١٠٩ ، قوانين الاصول ١ : ١٣٧ ، الفصول الغرويّة : ١٢٠ ، فوائد الاصول ٢ : ٣٩٤.
(٢) هذا ما توهّمه العضديّ في شرحه على مختصر ابن الحاجب ١ : ١٠٣. وحاصله : أنّه لو كان متعلّق النهي نفس أن لا تفعل والترك لكان هذا خارجا عن الاختيار ، إذ العدم حاصل بنفس عدم علّته ، فليس مقدورا له حتّى يصحّ تعلّق النهي به.
(٣) حاصل الجواب : أنّ الترك ليس خارجا عن تحت الاختيار ، وإلّا يلزم أن لا يكون الوجود والفعل مقدورا. بيان ذلك : أنّه لا معنى لمقدوريّة الوجود إلّا أنّ للفاعل أن يوجد الشيء وأن لا يوجده ، فإذا تعلّق مشيئته بوجوده يوجد وإذا لم يتعلّق مشيئته بالوجود لا يوجد. وعدم الوجود ملازم لبقاء العدم السابق. فكما كان الفاعل قادرا على إيجاد الشيء كذلك كان قادرا على عدم إيجاده المستلزم لبقاء العدم السابق ، والقدرة على الملزوم قدرة على اللازم ، وهذا معنى اختياريّة العدم. وإن لم يكن ترك الشيء وعدمه اختياريّا فلا يكون الفاعل قادرا على عدم إيجاده ، وإذا لم يكن قادرا على عدم إيجاده كان موجبا بالنسبة إلى إيجاده ، وهو كما ترى.
(٤) هذا إشارة إلى ما استدل به المتوهّم على كون العدم غير مقدور. وتوضيحه : أنّ الشيء ـ
والاستمرار الّذي يكون بحسبه محلّا للتكليف (١).
ثمّ إنّه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار ، كما لا دلالة لصيغة الأمر ، وإن كان قضيّتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلّقهما ؛ بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلّق بها الأمر مرّة والنهي اخرى (٢) ، ضرورة أنّ وجودها يكون بوجود فرد واحد وعدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع ، كما لا يخفى (٣).
__________________
ـ قبل وجوده معدوم بالعدم الأزليّ ، والعدم الأزليّ خارج عن حيّز القدرة لكونه سابقا على وجود المكلّف ، فلو تعلّق به التكليف لزم تعلّقه بأمر غير مقدور.
(١) وهذا جواب عن الاستدلال المذكور. وحاصله : أنّ العدم الأزليّ وإن كان بحسب ذاته غير مقدور ـ إمّا لكونه سابقا على وجود المكلّف ، وإمّا لكونه محض البطلان ـ ، لكن المكلّف قادر على إيجاد الشيء ، ولازمه قطع استمرار العدم ، كما أنّه قادر على إيجاده ولازمه استمرار العدم ، والقدرة على الملزوم قدرة على اللازم ، وهذا المقدار من القدرة كاف في صحّة تعلّق النهي بالعدم.
(٢) كأن يقول المولى : «صلّ صلاة الجمعة في زمان الحضور ولا تصلّها في عصر الغيبة».
(٣) لا إشكال في أنّ مقتضى النهي يختلف مقتضى الأمر لدى العقلاء ، سواء تعدّد متعلّقهما أو اتّحد ، فإنّ الأمر إذا تعلّق بطبيعة يكتفى في امتثاله بإتيان فرد واحد ، بخلاف النهي ، فإنّه إذا تعلّق بطبيعة فلا يمتثل إلّا بترك جميع أفراده.
وإنّما الخلاف في بيان الوجه في ذلك :
فذهب المصنّف رحمهالله إلى أن هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العقل في مقام الامتثال ، لأنّ المطلوب في باب الأمر وجود الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّها توجد بوجود فرد واحد منها ؛ والمطلوب في باب النهي ترك الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّ تركها لا يتحقّق إلّا بترك جميع الأفراد.
وذهب المحقّق الأصفهانيّ ـ بعد المناقشة فيما أفاد المصنّف رحمهالله ، بدعوى أنّ الطبيعة كما توجد بوجود فرد منها كذلك تنتفي بانتفائه ، ولا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو تتحقّق بتحقّق فرد منها والطبيعة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها ـ إلى أنّ المنشأ حقيقة ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك ، بل سنخ الطلب الّذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلا ، بمعنى أنّ المولى ينشئ النهي بداعي المنع نوعا عن الطبيعة بحدّها الّذي لازمه إبقاء العدم بحدّه على حاله ، فتعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم ـ تارة بلحاظ الحاكم ، واخرى بحكم العقل ـ لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعيّ العدم بحدّه. نهاية الدارية ١ : ٥٠٨ ـ ٥٠٩. ـ