درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۲: نواهی ۲

 

نعم ، يختصّ النهي بخلاف ، وهو أنّ متعلّق الطلب فيه هل هو الكفّ أو مجرّد الترك وأن لا يفعل؟ (١) والظاهر هو الثاني.

وتوهّم أنّ الترك ومجرّد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار فلا يصحّ أن يتعلّق به البعث والطلب (٢) ؛ فاسد ، فإنّ الترك أيضا يكون مقدورا ، وإلّا لما كان الفعل مقدورا وصادرا بالإرادة والاختيار (٣).

وكون العدم الأزليّ لا بالاختيار (٤) لا يوجب أن يكون كذلك بحسب البقاء

__________________

ـ وذهب السيّد المحقّق البروجرديّ إلى أنّ مفاد الأمر عبارة عن البعث الإنشائيّ نحو العمل المطلوب. ومفاد النهي عبارة عن الزجر الإنشائيّ عن الوجود. نهاية الأصول : ٢٢٢.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّهما مختلفان بحسب المعنى ومتّفقان في المتعلّق ، فإنّ الأمر معناه الدلالة على ثبوت شيء في ذمّة المكلّف ، والنهي معناه الدلالة على حرمانه عنه. المحاضرات ٤ : ٨٧ ـ ٨٩.

(١) والفرق بين الكفّ ومجرّد الترك أنّ الكفّ أمر وجوديّ ، لأنّ معناه صرف النفس عن إرادة الفعل. وأمّا الترك فهو أمر عدميّ ويصدق على مطلق العدم. نعم ، صرف النفس عن إرادة الفعل مستلزم للترك.

وذهب إلى الأوّل أكثر العامّة كما ذهب إلى الثاني أكثر الإماميّة. فراجع شرح العضديّ ١ : ١٠٣ ، المحصول في علم اصول الفقه ١ : ٣٥٠ ، إرشاد الفحول : ١٠٩ ، قوانين الاصول ١ : ١٣٧ ، الفصول الغرويّة : ١٢٠ ، فوائد الاصول ٢ : ٣٩٤.

(٢) هذا ما توهّمه العضديّ في شرحه على مختصر ابن الحاجب ١ : ١٠٣. وحاصله : أنّه لو كان متعلّق النهي نفس أن لا تفعل والترك لكان هذا خارجا عن الاختيار ، إذ العدم حاصل بنفس عدم علّته ، فليس مقدورا له حتّى يصحّ تعلّق النهي به.

(٣) حاصل الجواب : أنّ الترك ليس خارجا عن تحت الاختيار ، وإلّا يلزم أن لا يكون الوجود والفعل مقدورا. بيان ذلك : أنّه لا معنى لمقدوريّة الوجود إلّا أنّ للفاعل أن يوجد الشيء وأن لا يوجده ، فإذا تعلّق مشيئته بوجوده يوجد وإذا لم يتعلّق مشيئته بالوجود لا يوجد. وعدم الوجود ملازم لبقاء العدم السابق. فكما كان الفاعل قادرا على إيجاد الشيء كذلك كان قادرا على عدم إيجاده المستلزم لبقاء العدم السابق ، والقدرة على الملزوم قدرة على اللازم ، وهذا معنى اختياريّة العدم. وإن لم يكن ترك الشيء وعدمه اختياريّا فلا يكون الفاعل قادرا على عدم إيجاده ، وإذا لم يكن قادرا على عدم إيجاده كان موجبا بالنسبة إلى إيجاده ، وهو كما ترى.

(٤) هذا إشارة إلى ما استدل به المتوهّم على كون العدم غير مقدور. وتوضيحه : أنّ الشيء ـ

والاستمرار الّذي يكون بحسبه محلّا للتكليف (١).

ثمّ إنّه لا دلالة لصيغته على الدوام والتكرار ، كما لا دلالة لصيغة الأمر ، وإن كان قضيّتهما عقلا تختلف ولو مع وحدة متعلّقهما ؛ بأن يكون طبيعة واحدة بذاتها وقيدها تعلّق بها الأمر مرّة والنهي اخرى (٢) ، ضرورة أنّ وجودها يكون بوجود فرد واحد وعدمها لا يكاد يكون إلّا بعدم الجميع ، كما لا يخفى (٣).

__________________

ـ قبل وجوده معدوم بالعدم الأزليّ ، والعدم الأزليّ خارج عن حيّز القدرة لكونه سابقا على وجود المكلّف ، فلو تعلّق به التكليف لزم تعلّقه بأمر غير مقدور.

(١) وهذا جواب عن الاستدلال المذكور. وحاصله : أنّ العدم الأزليّ وإن كان بحسب ذاته غير مقدور ـ إمّا لكونه سابقا على وجود المكلّف ، وإمّا لكونه محض البطلان ـ ، لكن المكلّف قادر على إيجاد الشيء ، ولازمه قطع استمرار العدم ، كما أنّه قادر على إيجاده ولازمه استمرار العدم ، والقدرة على الملزوم قدرة على اللازم ، وهذا المقدار من القدرة كاف في صحّة تعلّق النهي بالعدم.

(٢) كأن يقول المولى : «صلّ صلاة الجمعة في زمان الحضور ولا تصلّها في عصر الغيبة».

(٣) لا إشكال في أنّ مقتضى النهي يختلف مقتضى الأمر لدى العقلاء ، سواء تعدّد متعلّقهما أو اتّحد ، فإنّ الأمر إذا تعلّق بطبيعة يكتفى في امتثاله بإتيان فرد واحد ، بخلاف النهي ، فإنّه إذا تعلّق بطبيعة فلا يمتثل إلّا بترك جميع أفراده.

وإنّما الخلاف في بيان الوجه في ذلك :

فذهب المصنّف رحمه‌الله إلى أن هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العقل في مقام الامتثال ، لأنّ المطلوب في باب الأمر وجود الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّها توجد بوجود فرد واحد منها ؛ والمطلوب في باب النهي ترك الطبيعة ، ومقتضى العقل أنّ تركها لا يتحقّق إلّا بترك جميع الأفراد.

وذهب المحقّق الأصفهانيّ ـ بعد المناقشة فيما أفاد المصنّف رحمه‌الله ، بدعوى أنّ الطبيعة كما توجد بوجود فرد منها كذلك تنتفي بانتفائه ، ولا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو تتحقّق بتحقّق فرد منها والطبيعة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها ـ إلى أنّ المنشأ حقيقة ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك ، بل سنخ الطلب الّذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلا ، بمعنى أنّ المولى ينشئ النهي بداعي المنع نوعا عن الطبيعة بحدّها الّذي لازمه إبقاء العدم بحدّه على حاله ، فتعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم ـ تارة بلحاظ الحاكم ، واخرى بحكم العقل ـ لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب وطبيعيّ العدم بحدّه. نهاية الدارية ١ : ٥٠٨ ـ ٥٠٩. ـ

ومن ذلك يظهر أنّ الدوام والاستمرار إنّما يكون في النهي إذا كان متعلّقه طبيعة مطلقة غير مقيّدة بزمان أو حال ، فإنّه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة إلّا بعدم جميع أفرادها الدفعيّة والتدريجيّة (١).

وبالجملة : قضيّة النهي ليس إلّا ترك تلك الطبيعة الّتي تكون متعلّقة له ، كانت مقيّدة أو مطلقة ، وقضيّة تركها عقلا إنّما هو ترك جميع أفرادها (٢).

__________________

ـ وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المصلحة في باب الأوامر قائمة بصرف وجود الطبيعة على نحو الإيجاب الجزئيّ ، لا مطلق الوجود على نحو الإيجاب الكلّي ، ما لم تقم قرينة على الخلاف ؛ وصرف الوجود يتحقّق بأوّل وجود الطبيعة. وأمّا المفسدة في باب النواهي قائمة بمطلق وجود الطبيعة ، إلّا إذا قامت قرينة على أنّها قائمة بصرف وجودها ؛ فيكون النهي لأجل مبغوضيّة الطبيعة ، وهي تسري إلى جميع أفرادها ، فينحلّ النهي حسب تعدّد الأفراد ويكون المطلوب في النهي هو ترك كلّ فرد فرد على نحو العامّ الاستغراقيّ. فوائد الاصول ٢ : ٣٩٥.

وأمّا العلمان السيّدان الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ـ بعد ما ناقشا في ما أفاد المصنّف رحمه‌الله والمحقّقان الأصفهانيّ والنائينيّ ـ : فذكر كلّ منهما وجها آخر لبيان الفرق بينهما.

أمّا السيّد الإمام الخمينيّ : فذهب إلى أنّ هذا الاختلاف يرجع إلى حكم العرف ، لأنّ الطبيعة لدى العرف توجد بوجود فرد ما وتنعدم بانعدام جميع الأفراد. مناهج الوصول ٢ : ١٠٤ ـ ١٠٨.

وأمّا السيّد المحقّق الخوئيّ : فذهب إلى أنّ نتيجة مقدّمات الحكمة في طرف الأمر هي الإطلاق البدليّ وصرف الوجود ، فيجوز الاكتفاء في مقام الامتثال بإيجاد فرد من أفراد الطبيعة ؛ وفي طرف النهي هي الإطلاق الشموليّ وحرمان المكلّف عن جميع أفرادها الدفعيّة والتدريجيّة. المحاضرات ٤ : ٨٩ ـ ١١٣.

ولا يخفى : أنّ ثمرة هذا الاختلاف تظهر فيما إذا تعارض دليل النهى مع دليل آخر يتكفّل بيان مفاده بمقتضى الوضع ـ كالعموم الوضعيّ ـ ، فإنّه بناء على أن يكون منشأ استفادة إطلاق الطبيعة في مورد النهي هو العقل تعارض الدليلان ، ولم يقدّم الدليل الآخر على دليل النهي ، لكون ظهور كلّ منهما تنجيزيّا. وأمّا بناء على أن يكون منشأ استفادة إطلاقها في مورد النهي من مقدّمات الحكمة فيكون الدليل الآخر مقدّما على دليل النهي ، لتقدّم الظهور الوضعيّ على الظهور الإطلاقيّ.

(١) المراد من الدفعيّة هو الأفراد العرضيّة ، والمراد من التدريجيّة هو الأفراد الطوليّة.

(٢) لا أنّ قضيّة النهي هي الدوام والتكرار.

ثمّ إنّه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف أو عدم إرادته ، بل لا بدّ في تعيين ذلك من دلالة ولو كان (١) إطلاق المتعلّق من هذه الجهة ، ولا يكفي إطلاقها (٢) من سائر الجهات (٣) ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) هكذا في النسخ. ولكن الصواب أن يقول : «ولو كانت» ، فيكون المعنى : ولو كانت الدلالة إطلاق المتعلّق من جهة شموله ما بعد العصيان.

(٢) أي : إطلاق الطبيعة. والاولى أن يقول : «إطلاقه» ، كي يرجع الضمير إلى المتعلّق.

(٣) كالإطلاق من حيث الزمان والمكان والفور والتراخي وغيرها.