درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۳: اجتماع امر و نهی ۱

 

ثمّ إنّه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف أو عدم إرادته ، بل لا بدّ في تعيين ذلك من دلالة ولو كان (١) إطلاق المتعلّق من هذه الجهة ، ولا يكفي إطلاقها (٢) من سائر الجهات (٣) ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) هكذا في النسخ. ولكن الصواب أن يقول : «ولو كانت» ، فيكون المعنى : ولو كانت الدلالة إطلاق المتعلّق من جهة شموله ما بعد العصيان.

(٢) أي : إطلاق الطبيعة. والاولى أن يقول : «إطلاقه» ، كي يرجع الضمير إلى المتعلّق.

(٣) كالإطلاق من حيث الزمان والمكان والفور والتراخي وغيرها.

فصل

[في اجتماع الأمر والنهي]

اختلفوا في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد وامتناعه (١) على أقوال ،

__________________

(١) لا يخفى : أنّ المتقدّمين عنونوا النزاع في المقام هكذا : «هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد أم لا؟». راجع القوانين ١ : ١٤٠ ، الفصول الغرويّة : ١٢٤.

والمصنّف رحمه‌الله وإن وافقهم في التعبير ولكن ما يأتي منه ـ من أنّ النزاع في سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر ـ صريح في أنّه لم يرد ظاهر هذا العنوان ، فإنّ ظاهر هذا العنوان أنّ النزاع كبرويّ ، وما يأتي منه صريح في أنّ النزاع في المقام صغرويّ.

والمحقّق النائينيّ ناقش في العنوان المذكور بما حاصله : أنّ عنوان النزاع على ما حرّره الأصحاب يوهم كون النزاع في المسألة كبرويّا ، بمعنى أنّهم اتّفقوا على الصغرى ـ وهي لزوم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وسراية أحدهما إلى متعلّق الآخر إذا اجتمع متعلّقهما وجودا ـ واختلفوا في الكبرى ، فمنهم من ادّعى أنّه لا مانع من اجتماعهما في شيء واحد بدعوى عدم المضادّة بينهما ، ومنهم من ادّعى استحالة اجتماعهما فيه بدعوى وجود المضادّة بينهما. ولكن التحقيق : أنّ تضادّ الأحكام بأسرها أمر مفروغ عنه غير قابل للنزاع ، فلا شبهة في استحالة اجتماعهما في شيء واحد حتّى عند القائل بجواز الاجتماع ، فلا نزاع في الكبرى ، بل إنّما النزاع في الصغرى ، فيبحث عن أنّه إذا اجتمع متعلّق الأمر والنهي من حيث الإيجاد والوجود هل يلزم من الاجتماع كذلك أن يتعلّق كلّ من الأمر والنهي بعين ما تعلّق به الآخر ، فيلزم اجتماعهما حقيقة ، وهو ممتنع ـ كما هو مقالة القائل بالامتناع ـ ، أو لا يلزم ذلك ، فلا يلزم الاجتماع حقيقة ـ كما هو مقالة القائل بالجواز ـ؟

وبالجملة : فلا نزاع بينهم في الكبرى ، بل اتّفقوا على امتناع استحالة الاجتماع ، وإنّما ـ

ثالثها جوازه عقلا وامتناعه عرفا (١).

[تقديم مقدّمات]

وقبل الخوض في المقصود يقدّم امور :

الأوّل : [المراد بالواحد في عنوان النزاع]

المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين ومندرجا تحت عنوانين ، بأحدهما

__________________

ـ النزاع بينهم في الصغرى ـ أي لزوم الاجتماع حقيقة وعدمه ـ. فوائد الاصول ٢ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧.

والتحقيق : أنّ النزاع في جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد لا يرجع إلى النزاع في مضادّة الأحكام وعدمها حتّى يقال : «إنّ مضادّة الأحكام أمر مفروغ عنه غير قابل للنزاع» ، بل النزاع في المقام يرجع إلى أنّه هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في واحد ذي عنوانين أم لا؟ فإن قلنا بأنّ الواحد ذا العنوانين واحد حقيقة يمتنع اجتماعهما ـ كما قال القائل بالامتناع ـ ، وإن قلنا بأنّه متعدّد حقيقة يجوز الاجتماع ـ كما قال القائل بالجواز ـ.

وعليه فلا نزاع في الصغرى ـ أي اجتماع الأمر والنهي في الواحد ذي العنوانين ـ ، وإنّما النزاع في الكبرى وجواز الاجتماع وامتناعه.

ولعلّه قال السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد اعترافه بلزوم تغيير العنوان المذكور في كلمات المتقدّمين ـ : «إنّ الأولى أن يقال : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحد أو لا؟ ويكون النزاع حينئذ كبرويّا». مناهج الوصول ٢ : ١١٠.

(١) وأوّلها : القول بالجواز. واختاره صاحب القوانين ونسبه إلى الأشاعرة وقال : «وهو الظاهر من كلام السيّد في الذريعة. وذهب إليه جلّة من فحول متأخّرينا ، كمولانا المحقّق الأردبيليّ وسلطان العلماء والمحقّق الخوانساريّ وولده المحقّق والفاضل المدقّق الشيروانيّ والفاضل الكاشانيّ والسيّد الفاضل صدر الدين وأمثالهم». قوانين الاصول ١ : ١٤٠.

وذهب إليه أيضا بعض المعاصرين ، كالمحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٣٩٨ ، والسيّد البروجرديّ في نهاية الاصول : ٢٣٢ ، والإمام الخمينيّ في المناهج ٢ : ١٢٨.

وثانيها : القول بالامتناع. وهذا منسوب إلى أكثر المعتزلة. وذهب إليه كثير من الإماميّة ، كصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٥ ، وصاحب المعالم في معالم الدين : ١٠٧ ، وصاحب الجواهر في جواهر الكلام ٨ : ١٤٣.

وذهب المحقّق الخوئيّ إلى التفصيل بين ما إذا كان المجمع واحدا وجودا وماهيّة فيمتنع الاجتماع وبين ما إذا كان المجمع متعدّدا كذلك فيجوز الاجتماع. المحاضرات ٤ : ٢٩٣ ـ ٢٩٤.

كان موردا للأمر وبالآخر للنهي (١) ، وإن كان كلّيّا مقولا على كثيرين ، كالصلاة في المغصوب (٢).

وإنّما ذكر (٣) لإخراج ما إذا تعدّد متعلّق الأمر والنهي ولم يجتمعا وجودا ـ ولو جمعهما واحد مفهوما ، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم مثلا ـ ، لا لإخراج الواحد الجنسيّ أو النوعيّ (٤) ، كالحركة والسكون الكلّيّين المعنونين بالصلاتيّة والغصبيّة (٥).

الثاني : [الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادة]

الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي في العبادة (٦) هو أنّ الجهة المبحوث عنها فيها ـ الّتي بها تمتاز المسائل ـ هي أنّ تعدّد الوجه والعنوان في الواحد يوجب تعدّد متعلّق الأمر والنهي ـ بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد ـ أو لا يوجبه ، بل يكون حاله حاله؟ فالنزاع في سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر ، لاتّحاد متعلّقيهما وجودا ، وعدم سرايته ، لتعدّدهما

__________________

(١) فالمراد من الواحد هو الواحد بالوجود ، الذي يقابل المتعدّد ، لا ما يقابل الكلّي. فلا فرق بين أن يكون واحدا شخصيّا أو واحدا جنسيّا أو نوعيّا.

(٢) فإنّ الصلاة في الأرض المغصوبة واحدة في الوجود ، وإن لم يكن واحدة شخصا ، بل هي واحدة نوعا وكلّيّ مقول على كثيرين ، فإنّها كما تصدق على الصلاة قائما في المغصوبة تصدق على الصلاة قاعدا فيها وعلى الصلاة مع فتح العينين ومع غمضهما وعلى الصلاة في هذا الآن وعلى الصلاة في الآن الثاني وهكذا.

(٣) أي : ذكر قيد «في واحد».

(٤) هذا تعريض بالمحقّق القميّ وصاحب الفصول ، فإنّهما خصّصا النزاع بالواحد الشخصيّ.

راجع قوانين الاصول ١ : ١٤٠ ، والفصول الغرويّة : ١٢٤.

(٥) فإذا أمر المولى بالصلاة ونهى عن الحركة فبما أنّ العنوانين يتصادقان على الصلاة يقع المجمع موردا للنزاع ، وإن كانت الحركة كلّيّ ينطبق عليه عنوان الصلاة والغصب. وكذا السكون.

(٦) وفي بعض النسخ «في العبادات».