درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۶: اجتماع امر و نهی ۴

 

مسألتين مع وحدة الموضوع وتعدّد الجهة المبحوث عنها (١) ، وعقد مسألة واحدة في صورة العكس (٢) ، كما لا يخفى (٣).

ومن هنا انقدح أيضا فساد الفرق بأنّ النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا ، وهناك في دلالة النهي لفظا ، فإنّ مجرّد ذلك لو لم يكن تعدّد الجهة في البين لا يوجب إلّا تفصيلا في المسألة الواحدة ، لا عقد مسألتين. هذا مع عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ ، كما سيظهر (٤).

__________________

(١) كما كان كذلك في مباحث الأوامر ، فإنّ الموضوع فيها ـ وهو الأمر ـ واحد ، ولكن جهات البحث عن الأمر متعدّدة. فقد يبحث عن كونه ظاهرا في الوجوب ، وقد يبحث عن دلالته على الفور أو التراخي ، وقد يبحث عن دلالته على المرّة أو التكرار ، وهكذا. ولأجل تعدّد جهات البحث عقدوا لكلّ منها مسألة.

(٢) أي : في صورة وحدة جهة البحث وتعدّد الموضوع ، كالاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة الموضوع التي جهة البحث عنها واحدة ، فلذا عقدت لها مسألة واحدة.

(٣) وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المسألتين يفترقان موضوعا وجهة.

أمّا موضوعا : فلأنّ موضوع البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي هو ما إذا تعلّق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر وكانت النسبة بين العنوانين العموم من وجه. وموضوع البحث في مسألة النهي عن العبادة هو ما إذا تعلّق النهي ببعض ما تعلّق الأمر به على وجه تكون النسبة بين المتعلّقين العموم المطلق.

وأمّا جهة : فلأنّ جهة البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي هو اتّحاد المتعلّقين وعدمه. وهي في مسألة النهي عن العبادة اقتضاء النهي للفساد. فوائد الأصول ٢ : ٤٥٤.

وأفاد المحقّق العراقيّ أنّ الفرق بينهما أنّ الفساد في مسألتنا هذه ـ على الامتناع ـ يدور مدار العلم بالنهي ، لا مدار النهي بوجوده الواقعيّ النفس الأمريّ. بخلافه في مسألة النهي عن العبادة ، فإنّ الفساد فيها ـ على الاقتضاء ـ يدور مدار وجود النهي واقعا وعدمه. نهاية الأفكار ٢ : ٤٥٠ ـ ٤٥١.

وقال السيّد المحقّق الخوئيّ : «إنّ النقطة الرئيسيّة لامتياز إحدى المسألتين عن الاخرى هي أنّ جهة البحث في إحداهما ـ وهي مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ صغرويّة ، وفي الاخرى كبرويّة». المحاضرات ٤ : ١٦٦.

والفارق بينهما عند السيّد الإمام الخمينيّ هو اختلافهما في الموضوع والمحمول.

مناهج الوصول ٢ : ١١٠.

(٤) والحاصل : أنّه قد يتخيّل أنّ الفرق بين المسألتين أنّ البحث في هذه المسألة عقليّ ، ـ

الثالث : [إنّ المسألة اصوليّة]

أنّه حيث كانت نتيجة هذه المسألة (١) ممّا يقع في طريق الاستنباط (٢) كانت المسألة من المسائل الاصوليّة ، لا من مبادئها الأحكاميّة ولا التصديقيّة ، ولا من المسائل الكلاميّة ، ولا من المسائل الفرعيّة (٣) ، وإن كانت فيها جهاتها ، كما

__________________

ـ لأنّ الحاكم بالجواز أو الامتناع إنّما هو العقل. والبحث في تلك المسألة لفظيّ ، لأنّ المبحوث عنه هناك أنّ النهي المتعلّق بالعبادة هل يدلّ على فسادها أم لا؟

وناقش فيه المصنّف بوجهين :

الأوّل : أنّ مجرّد كون الجواز أو عدمه عقليّا وكون البحث في مسألة النهي عن العبادة لفظيّا ـ ما لم يرجع إلى تعدّد جهة البحث ـ لا يوجب إلّا التفصيل في المسألة الواحدة ، بأن يقال : «النهي عقلا لا يجتمع مع الأمر ، ولفظا يدلّ على الفساد» ، أو يقال : «النهي عقلا لا يجتمع مع الأمر ، ولفظا يدلّ على الفساد».

الثاني : أنّه سيجيء أنّ الجهة المبحوث عنها في تلك المسألة هي ثبوت الملازمة بين حرمة العبادة وفسادها وعدم ثبوت الملازمة. ومن الواضح أنّ البحث عن تلك الجهة لا يختصّ بما إذا كانت الحرمة مدلولا لدليل لفظيّ ، بل يعمّ الجميع.

(١) وهي جواز الاجتماع أو امتناعه.

(٢) فيقال ـ مثلا ـ : «الصلاة في الدار المغصوبة ممّا اجتمع فيه الأمر والنهي ، وكلّما اجتمع فيه الأمر والنهي فهو صحيح ـ على الجواز ـ ، فهذه الصلاة صحيحة». أو يقال : «الصلاة في الدار المغصوبة ممّا اجتمع فيه الأمر والنهي ، وكلّما اجتمع فيه الأمر والنهي فهو باطل ـ على الامتناع وترجيح جانب النهي ـ ، فهذه الصلاة باطلة».

(٣) اعلم أنّ في مسألتنا هذه وجوه ، بل أقوال :

الأوّل : أنّها من المسائل الفقهيّة ، لأنّ البحث في هذه المسألة يرجع إلى البحث عن عوارض فعل المكلّف ، وهي صحّة العبادة في المجمع ـ كالصلاة في الدار المغصوبة ـ أو فسادها فيه.

وهذا القول لم أجد من صرّح بذلك.

وفيه : أنّ البحث في هذه المسألة ليس عن صحّة العبادة وفسادها ابتداء كي تكون من المسائل الفقهيّة ، بل إنّما يبحث فيها عن جواز الاجتماع وامتناعه. وأمّا الصحّة والفساد فيترتّبان على القول بالجواز والامتناع.

الثاني : أنّها من المسائل الكلاميّة ، لأنّ البحث فيها عن استحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد وإمكانه عقلا. والبحث عن الاستحالة والإمكان يناسب المسائل الكلاميّة. ـ

لا يخفى ، ضرورة أنّ مجرّد ذلك لا يوجب كونها منها إذا كانت فيها جهة اخرى يمكن عقدها معها من المسائل (١) ، إذ لا مجال حينئذ لتوهّم عقدها من غيرها في

__________________

ـ وهذا ما ذهب إليه المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ١٤٠.

وفيه : أنّ الضابط في كون المسألة كلاميّة هو أن يكون البحث فيها عن أحوال المبدأ والمعاد. والمبحوث عنه في مسألتنا هذه أجنبيّ عن أحوال المبدأ والمعاد والعقائد الدينيّة ، فإنّ المبحوث عنه فيها جواز الاجتماع وعدمه أو سراية النهي إلى متعلّق الأمر وعدمه.

الثالث : أنّها من المبادئ الأحكاميّة. وهي ما يكون البحث فيه عن حال الحكم ولوازمه. ويبحث في مسألتنا هذه عن حال الأحكام من حيث إمكان اجتماع اثنين منها في شيء واحد وعدمه. وهذا ما اختاره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ، ونسبه إلى العضديّ والشيخ البهائيّ ، فراجع مطارح الأنظار : ١٢٦.

وأورد عليه المحقّق الخوئيّ بأنّ المبادئ إمّا تصوّريّة ـ وهي عبارة عن تصوّر نفس الموضوع والمحمول بذاتها وذاتيّاتها ـ وإمّا تصديقيّة ـ وهي الّتي تكون مبدءا للتصديق بالنتيجة ، كالمسائل الاصوليّة بالقياس إلى المسائل الفقهيّة ـ ، ولا ثالث لهما. فإن كان المراد من المبادئ الأحكاميّة تصوّر نفس الموضوع والمحمول فهي من المبادئ التصوّريّة. وإن كان المراد ما يوجب التصديق بثبوت حكم أو نفيه فهي من المبادئ التصديقيّة لعلم الفقه. المحاضرات ٤ : ١٧٨ ـ ١٧٩.

الرابع : أنّها من المبادئ التصديقيّة لعلم الاصول ، لأنّ البحث في هذه المسألة صغرويّة ، ولا تقع في طريق الاستنباط بلا واسطة ضمّ كبرى اصوليّة حتّى تكون اصوليّة ؛ وفي الحقيقة أنّ البحث يرجع إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض والتزاحم ، بأنّه على القول بالامتناع تكون المسألة من صغريات مسألة التعارض ، وبعد إعمال قواعد التعارض ينتج صحّة العبادة. هذا ما اختار المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٤٠ وأجود التقريرات ١. ٣٣٣.

وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بما حاصله : أنّ كون بحث محقّقا لموضوع بحث آخر لا يوجب أن يكون من المبادئ التصديقيّة ، وبراهين إثبات وجود الموضوع ـ لو سلّم كونها من المبادئ ـ غير علل وجوده. مع أنّ في كون المسألة محقّقة لوجود الموضوع لمسألة التعارض نظرا ، لأنّ الموضوع في باب التعارض هو الخبران المختلفان ، والمناط في الاختلاف هو الفهم العرفيّ ، والجمع هناك عرفيّ ، لا عقليّ ؛ بخلافه في المقام ، فإنّ المسألة عقليّة صرفة ، فلا ربط بين البابين. مناهج الوصول ٢ : ١١٢ و ١١٧.

الخامس : أنّها أصوليّة. وهذا ما اختاره المصنّف رحمه‌الله وتبعه كثير من المتأخرين.

(١) أي : مجرّد وجود سائر الجهات لا يوجب كون هذه المسألة من سائر العلوم ، إذا كانت في المسألة جهة اخرى قويّة يمكن عقدها مع تلك الجهة من المسائل الاصوليّة.

الأصول (١) ، وإن عقدت كلاميّة في الكلام ، وصحّ عقدها فرعيّة أو غيرها بلا كلام. وقد عرفت في أوّل الكتاب (٢) : أنّه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصّة من مسائل علمين ، لانطباق جهتين عامّتين على تلك الجهة ، كانت بإحداهما من مسائل علم وبالاخرى من آخر. فتذكّر.

الرابع : [إنّ المسألة عقليّة]

إنّه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه : أنّ المسألة عقليّة ، ولا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب والتحريم باللفظ ، كما ربّما يوهمه التعبير بالأمر والنهي الظاهرين في الطلب بالقول ، إلّا أنّه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما ، كما هو أوضح من أن يخفى.

وذهاب البعض (٣) إلى الجواز عقلا والامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ ، بل بدعوى أنّ الواحد بالنظر الدقيق العقليّ اثنين (٤) ، وأنّه بالنظر المسامحيّ العرفيّ واحد ذو وجهين ، وإلّا فلا يكون معنى محصّلا للامتناع العرفيّ. غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع (٥) ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) أي : لا مجال لأن يتوهّم عقد هذه المسألة في علم الاصول من غير مسائل الاصول استطرادا مع ثبوت جهة قويّة فيها يمكن عقدها مع تلك الجهة من المسائل الاصوليّة.

(٢) راجع الأمر الأوّل من المقدّمة في الجزء الأوّل : ٢٠.

(٣) وهو المحقّق الأردبيليّ في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١١٢.

(٤) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «اثنان» ، فإنّه خبر «أنّ».

(٥) أي : غاية ما يمكن أن يدّعى هو أنّ اللفظ يدلّ على عدم الوقوع بعد اختيار الجواز عقلا ، لا أنّه يدلّ على الامتناع كي يتوهّم كون المسألة لفظيّة.

والأولى أن يقال : «غاية الأمر أنّه يمكن أن يدّعى عدم الدلالة على الوقوع». والوجه في ذلك أنّه ليس في المقام لفظ مخصوص يدلّ على عدم الوقوع.