درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۸: اجتماع امر و نهی ۶

 

الأصول (١) ، وإن عقدت كلاميّة في الكلام ، وصحّ عقدها فرعيّة أو غيرها بلا كلام. وقد عرفت في أوّل الكتاب (٢) : أنّه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصّة من مسائل علمين ، لانطباق جهتين عامّتين على تلك الجهة ، كانت بإحداهما من مسائل علم وبالاخرى من آخر. فتذكّر.

الرابع : [إنّ المسألة عقليّة]

إنّه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه : أنّ المسألة عقليّة ، ولا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع والامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب والتحريم باللفظ ، كما ربّما يوهمه التعبير بالأمر والنهي الظاهرين في الطلب بالقول ، إلّا أنّه لكون الدلالة عليهما غالبا بهما ، كما هو أوضح من أن يخفى.

وذهاب البعض (٣) إلى الجواز عقلا والامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ ، بل بدعوى أنّ الواحد بالنظر الدقيق العقليّ اثنين (٤) ، وأنّه بالنظر المسامحيّ العرفيّ واحد ذو وجهين ، وإلّا فلا يكون معنى محصّلا للامتناع العرفيّ. غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع (٥) ، فتدبّر جيّدا.

__________________

(١) أي : لا مجال لأن يتوهّم عقد هذه المسألة في علم الاصول من غير مسائل الاصول استطرادا مع ثبوت جهة قويّة فيها يمكن عقدها مع تلك الجهة من المسائل الاصوليّة.

(٢) راجع الأمر الأوّل من المقدّمة في الجزء الأوّل : ٢٠.

(٣) وهو المحقّق الأردبيليّ في مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١١٢.

(٤) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «اثنان» ، فإنّه خبر «أنّ».

(٥) أي : غاية ما يمكن أن يدّعى هو أنّ اللفظ يدلّ على عدم الوقوع بعد اختيار الجواز عقلا ، لا أنّه يدلّ على الامتناع كي يتوهّم كون المسألة لفظيّة.

والأولى أن يقال : «غاية الأمر أنّه يمكن أن يدّعى عدم الدلالة على الوقوع». والوجه في ذلك أنّه ليس في المقام لفظ مخصوص يدلّ على عدم الوقوع.

الخامس : [إنّ المسألة تعمّ جميع أقسام الإيجاب والتحريم]

لا يخفى أنّ ملاك النزاع (١) في جواز الاجتماع والامتناع يعمّ جميع أقسام الإيجاب والتحريم (٢) ، كما هو قضيّة إطلاق لفظ الأمر والنهي (٣).

ودعوى الانصراف إلى النفسيّين التعيينيّين العينيّين في مادّتهما (٤) غير خالية عن الاعتساف ، وإن سلّم في صيغتهما ، مع أنّه فيها ممنوع.

نعم ، لا يبعد دعوى الظهور والانسباق من الإطلاق (٥) بمقدّمات الحكمة الغير الجارية في المقام ، لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام ، وكذا ما وقع في البين من النقض والإبرام (٦).

مثلا (٧) : إذا أمر بالصلاة والصوم تخييرا بينهما ، وكذلك نهى عن التصرّف في الدار والمجالسة مع الأغيار ، فصلّى فيها مع مجالستهم ، كان حال الصلاة فيها (٨) حالها كما إذا أمر بها تعيينا (٩) ونهى عن التصرّف فيها كذلك في جريان النزاع

__________________

(١) وهو لزوم اجتماع الضدّين على القول بالامتناع.

(٢) فإنّ الوجوب ـ سواء كان نفسيّا أو غيريّا أو عينيّا أو غيرها ـ يضادّ الحرمة بجميع أصنافها.

(٣) أي : كما أنّ إطلاق لفظ الأمر والنهي في عنوان المسألة تقتضي التعميم.

(٤) هذا ما ادّعاه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٤.

(٥) أي : إطلاق صيغة الأمر والنهي ، لا إطلاق مادّتهما كي يقال : «ظاهر كلامه أنّ إطلاق المادّة يقتضي النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة لو لا قيام القرنية على الخلاف. وهذا ينافي ما في صدر كلامه من أنّ قضيّة إطلاق لفظ الأمر والنهي هو التعميم».

(٦) فعموم الملاك لجميع الأقسام وجريان النقض والإبرام في جميعها قرينتان على العموم ، ومع وجود القرينة لا تتمّ مقدّمات الحكمة.

(٧) هذا مثال للوجوب والحرمة التخييريّين.

(٨) أي : في الدار.

(٩) هكذا في النسخة الأصليّة. وفي بعض النسخ : «حالها كما إذا أمر بها تعيّنا». والصحيح أن يقول : «حالها إذا أمر بها تعيينا» ، فإنّ كلمة «كما» مستدركة. والأولى أن يقول : «حالها فيما إذا امر بها تعيينا ...». ويكون معنى العبارة : أنّه كان حال الصلاة في الدار المغصوبة حال الصلاة الّتي امر بها تعيينا ونهي عن التصرّف في الدار تعيينا في كونها مجمعا لعنوان الصلاة ـ