درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۹: اجتماع امر و نهی ۷

 

الخامس : [إنّ المسألة تعمّ جميع أقسام الإيجاب والتحريم]

لا يخفى أنّ ملاك النزاع (١) في جواز الاجتماع والامتناع يعمّ جميع أقسام الإيجاب والتحريم (٢) ، كما هو قضيّة إطلاق لفظ الأمر والنهي (٣).

ودعوى الانصراف إلى النفسيّين التعيينيّين العينيّين في مادّتهما (٤) غير خالية عن الاعتساف ، وإن سلّم في صيغتهما ، مع أنّه فيها ممنوع.

نعم ، لا يبعد دعوى الظهور والانسباق من الإطلاق (٥) بمقدّمات الحكمة الغير الجارية في المقام ، لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام ، وكذا ما وقع في البين من النقض والإبرام (٦).

مثلا (٧) : إذا أمر بالصلاة والصوم تخييرا بينهما ، وكذلك نهى عن التصرّف في الدار والمجالسة مع الأغيار ، فصلّى فيها مع مجالستهم ، كان حال الصلاة فيها (٨) حالها كما إذا أمر بها تعيينا (٩) ونهى عن التصرّف فيها كذلك في جريان النزاع

__________________

(١) وهو لزوم اجتماع الضدّين على القول بالامتناع.

(٢) فإنّ الوجوب ـ سواء كان نفسيّا أو غيريّا أو عينيّا أو غيرها ـ يضادّ الحرمة بجميع أصنافها.

(٣) أي : كما أنّ إطلاق لفظ الأمر والنهي في عنوان المسألة تقتضي التعميم.

(٤) هذا ما ادّعاه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٤.

(٥) أي : إطلاق صيغة الأمر والنهي ، لا إطلاق مادّتهما كي يقال : «ظاهر كلامه أنّ إطلاق المادّة يقتضي النفسيّة والتعيينيّة والعينيّة لو لا قيام القرنية على الخلاف. وهذا ينافي ما في صدر كلامه من أنّ قضيّة إطلاق لفظ الأمر والنهي هو التعميم».

(٦) فعموم الملاك لجميع الأقسام وجريان النقض والإبرام في جميعها قرينتان على العموم ، ومع وجود القرينة لا تتمّ مقدّمات الحكمة.

(٧) هذا مثال للوجوب والحرمة التخييريّين.

(٨) أي : في الدار.

(٩) هكذا في النسخة الأصليّة. وفي بعض النسخ : «حالها كما إذا أمر بها تعيّنا». والصحيح أن يقول : «حالها إذا أمر بها تعيينا» ، فإنّ كلمة «كما» مستدركة. والأولى أن يقول : «حالها فيما إذا امر بها تعيينا ...». ويكون معنى العبارة : أنّه كان حال الصلاة في الدار المغصوبة حال الصلاة الّتي امر بها تعيينا ونهي عن التصرّف في الدار تعيينا في كونها مجمعا لعنوان الصلاة ـ

في الجواز والامتناع ومجيء أدلّة الطرفين وما وقع من النقض والإبرام في البين. فتفطّن (١).

السادس : [أخذ قيد المندوحة]

انّه ربما يؤخذ في محلّ النزاع قيد «المندوحة» (٢) في مقام الامتثال (٣). بل

__________________

ـ والتصرّف في الدار ؛ فيجري فيها النزاع المعروف وتجيء أدلّة الطرفين.

(١) واستثنى المحقّق الخوئيّ خصوص الإيجاب والتحريم التخييريّين ، وذهب إلى عدم جريان النزاع فيهما ، بدعوى عدم إمكان اجتماع الوجوب والحرمة التخييريّين في شيء واحد.

واستدلّ عليه بأنّ الحرمة التخييريّة تمتاز عن الوجوب التخييريّ في أنّها ترجع إلى حرمة الجمع بين فعلين ، لقيام المفسدة بالمجموع ، لا بالجامع بينهما ، وإلّا لكان كلّ من الفعلين محرّما تعيينا. وأمّا الوجوب التخييريّ فيرجع إلى إيجاب الجامع بين شيئين أو أشياء ، لا إلى إيجاب كلّ منها ـ أو منهما ـ بخصوصه. ولا تنافي بين إيجاب الجامع بين شيئين وحرمة الجمع بينهما ، لا في المبدأ ولا في المنتهى.

أمّا المبدأ : فلعدم المانع من قيام مصلحة ملزمة بالجامع بينهما وقيام مفسدة ملزمة بالمجموع منهما.

وأمّا المنتهى : فلأنّ المكلّف قادر على امتثال كلا التكليفين معا ، بأن يأتي بأحدهما ويترك الآخر. المحاضرات ٤ : ١٨٨.

ولكن المحقّق الاصفهانيّ ـ بعد ما تعرّض للفرق المذكور بين الوجوب التخييريّ والحرمة التخييريّة ـ قال : «لكنّه لا يؤثّر في الخروج عن محلّ النزاع جوازا ومنعا». نهاية الدراية ١ : ٥١٣.

ولعلّ الوجه فيما ذكره المحقّق الاصفهانيّ أنّ قيام المصلحة في الوجوب التخييريّ بالجامع محلّ تأمّل ، بل يمكن أن يكون لكلّ واحد من الطرفين أو الأطراف مصلحة خاصّة ولكن اكتفى الشارع بالواحد تسهيلا.

(٢) المراد من المندوحة أن يكون المكلّف متمكّنا من موافقة الأمر في مورد آخر غير مورد الاجتماع.

(٣) أوّل من أخذ قيد «المندوحة» في محلّ النزاع هو المحقّق القميّ ، وإن لم يصرّح بذلك.

قوانين الاصول : ١٤٠ و ١٤٢ و ١٥٣.

وأوّل من صرّح بذلك هو صاحب الفصول ، حيث قال : «وإن اختلفت الجهتان وكان للمكلّف مندوحة في الامتثال فهو موضع النزاع». الفصول الغرويّة : ١٢٤.

ربما قيل (١) بأنّ الإطلاق إنّما هو للاتّكال على الوضوح ، إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال(٢).

ولكنّ التحقيق ـ مع ذلك ـ : عدم اعتبارها في ما هو المهمّ في محلّ النزاع من لزوم المحال ، وهو اجتماع الحكمين المتضادّين وعدم الجدوى في كون موردهما موجّها بوجهين في دفع غائلة اجتماع الضدّين ، أو عدم لزومه (٣) وأنّ تعدّد الوجه يجدي في دفعها. ولا يتفاوت في ذلك (٤) أصلا وجود المندوحة وعدمها. ولزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر (٥) لا دخل له بهذا النزاع.

نعم ، لا بدّ من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا لمن يرى التكليف بالمحال محذورا ومحالا (٦) ، كما ربما لا بدّ من اعتبار أمر آخر (٧) في الحكم به كذلك (٨) أيضا.

وبالجملة : لا وجه لاعتبارها إلّا لأجل اعتبار القدرة على الامتثال وعدم لزوم التكليف بالمحال ، ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال (٩).

__________________

(١) والقائل صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٤.

(٢) توضيح ذلك : أنّ المكلّف إن كان متمكّنا من إيجاد متعلّق التكليف في غير مورد الاجتماع ـ بأن يتمكّن من فعل الصلاة في غير الدار المغصوبة ـ فحينئذ لا مانع من توجيه التكليف بالصلاة إليه ، لتمكّنه من فعلها. وأمّا إذا لم يكن متمكّنا من الإتيان بالصلاة ـ مثلا ـ ، لا في الدار لأنّ الممنوع الشرعيّ كالممتنع العقليّ ، ولا في خارج الدار لعدم المندوحة له ، فإذن لا يمكن توجيه التكليف بالصلاة إليه ، لأنّه من التكليف بالمحال ، وعليه فلا معنى للبحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه.

(٣) أي : أو عدم لزوم المحال.

(٤) أي : في محلّ النزاع.

(٥) غير محذور استحالة التكليف.

(٦) كالعدليّة.

(٧) كالبلوغ والعقل وغيرهما.

(٨) أي : فعلا.

(٩) وتوضيح ما أفاده المصنّف في المقام : أنّ النزاع في المقام يقع في مرحلتين :

الأولى : النزاع في مرحلة الجعل والانشاء. بأن يقال : هل يمتنع تعلّق حكمين متضادّين بشيء واحد ذي وجهين ـ لعدم كفاية تعدّد الوجه في دفع غائلة اجتماع الضدّين ، فيكون نفس التكليف محالا ـ أم يمكن ذلك ـ لكون تعدّد الوجه موجبا لتعدّد المتعلّق ـ؟

ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يختلف الحال فيه بين وجود المندوحة وعدم وجودها. وهذا هو محلّ البحث في مسألتنا هذه. ـ