درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۰: اجتماع امر و نهی ۸

 

ربما قيل (١) بأنّ الإطلاق إنّما هو للاتّكال على الوضوح ، إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال(٢).

ولكنّ التحقيق ـ مع ذلك ـ : عدم اعتبارها في ما هو المهمّ في محلّ النزاع من لزوم المحال ، وهو اجتماع الحكمين المتضادّين وعدم الجدوى في كون موردهما موجّها بوجهين في دفع غائلة اجتماع الضدّين ، أو عدم لزومه (٣) وأنّ تعدّد الوجه يجدي في دفعها. ولا يتفاوت في ذلك (٤) أصلا وجود المندوحة وعدمها. ولزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر (٥) لا دخل له بهذا النزاع.

نعم ، لا بدّ من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا لمن يرى التكليف بالمحال محذورا ومحالا (٦) ، كما ربما لا بدّ من اعتبار أمر آخر (٧) في الحكم به كذلك (٨) أيضا.

وبالجملة : لا وجه لاعتبارها إلّا لأجل اعتبار القدرة على الامتثال وعدم لزوم التكليف بالمحال ، ولا دخل له بما هو المحذور في المقام من التكليف المحال (٩).

__________________

(١) والقائل صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٤.

(٢) توضيح ذلك : أنّ المكلّف إن كان متمكّنا من إيجاد متعلّق التكليف في غير مورد الاجتماع ـ بأن يتمكّن من فعل الصلاة في غير الدار المغصوبة ـ فحينئذ لا مانع من توجيه التكليف بالصلاة إليه ، لتمكّنه من فعلها. وأمّا إذا لم يكن متمكّنا من الإتيان بالصلاة ـ مثلا ـ ، لا في الدار لأنّ الممنوع الشرعيّ كالممتنع العقليّ ، ولا في خارج الدار لعدم المندوحة له ، فإذن لا يمكن توجيه التكليف بالصلاة إليه ، لأنّه من التكليف بالمحال ، وعليه فلا معنى للبحث عن جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه.

(٣) أي : أو عدم لزوم المحال.

(٤) أي : في محلّ النزاع.

(٥) غير محذور استحالة التكليف.

(٦) كالعدليّة.

(٧) كالبلوغ والعقل وغيرهما.

(٨) أي : فعلا.

(٩) وتوضيح ما أفاده المصنّف في المقام : أنّ النزاع في المقام يقع في مرحلتين :

الأولى : النزاع في مرحلة الجعل والانشاء. بأن يقال : هل يمتنع تعلّق حكمين متضادّين بشيء واحد ذي وجهين ـ لعدم كفاية تعدّد الوجه في دفع غائلة اجتماع الضدّين ، فيكون نفس التكليف محالا ـ أم يمكن ذلك ـ لكون تعدّد الوجه موجبا لتعدّد المتعلّق ـ؟

ومن الواضح أنّ هذا المعنى لا يختلف الحال فيه بين وجود المندوحة وعدم وجودها. وهذا هو محلّ البحث في مسألتنا هذه. ـ

فافهم واغتنم (١).

السابع : [عدم ابتناء النزاع على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع]

انّه ربما يتوهّم :

تارة : أنّ النزاع في الجواز والامتناع يبتني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع. وأمّا الامتناع على القول بتعلّقها بالأفراد فلا يكاد يخفى ، ضرورة لزوم تعلّق الحكمين بواحد شخصيّ ـ ولو كان ذا وجهين ـ على هذا القول (٢).

__________________

ـ الثانية : النزاع في مرحلة الامتثال. بأن يقال : هل يجوز التكليف بالضدّين اللذين لم يقدر المكلّف على امتثاله أم لا يجوز؟ وبتعبير آخر : هل يجوز التكليف بالمحال ـ وهو امتثال الضدّين ـ أم لا؟

ومن المعلوم أنّ القدرة على الامتثال شرط في التكليف ، والمكلّف لا يقدر عليه في المقام إلّا مع وجود المندوحة ، فوجودها في مرحلة الامتثال شرط. ولكنّه خارج عن محلّ البحث في مسألتنا هذه.

(١) والمحقّق الاصفهانيّ ـ بعد ما أورد على المصنّف بإيرادين ـ ذكر وجها آخر لعدم لزوم التقييد بالمندوحة ، فقال : «لو كان تعدّد الوجه مجديا في تعدّد المعنون لكان مجديا في التقرّب به من حيث رجحانه في نفسه ، فإنّ عدم المندوحة يمنع عن الأمر لعدم القدرة على الامتثال ، ولا يمنع من الرجحان الذاتيّ الصالح للتقرّب به ، فكما أنّ تعدّد الجهة يكفي من حيث التضادّ كذلك يكفي من حيث ترتّب الثمرة ـ وهي صحّة الصلاة ـ ، فلا موجب للتقييد بعدم المندوحة ، لا على القول بالتضادّ لكفاية الاستحالة من جهة التضادّ في عدم الصحّة ، ولا على القول بعدم التضادّ لما عرفت من كفاية تعدّد الجهة من حيث التقرّب أيضا». نهاية الدارية ١ : ٥١٤.

(٢) أي : على القول بتعلّق الأحكام بالأفراد.

وتوضيح التوهّم : أنّ للمتوهّم دعويين :

الأولى : جريان النزاع في خصوص ما إذا قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع. إذ عليه تعلّق الأمر بطبيعة والنهي بطبيعة أخرى ، غاية الأمر انطبقا في الخارج على شيء واحد. وحينئذ يقع النزاع في إمكان الاجتماع وامتناعه ، فالقائل بالجواز يرى أنّ تعدّد عنوان الطبيعة يوجب تعدّد المجمع في مورد الاجتماع ، والقائل بالامتناع يرى أنّ تعدّد العنوان لا يوجب تعدّد المجمع في الخارج. ـ

واخرى : أنّ القول بالجواز مبنيّ على القول بالطبائع ، لتعدّد متعلّق الأمر والنهي ذاتا عليه (١) ، وإن اتّحدا وجودا ؛ والقول بالامتناع على القول بالأفراد ، لاتّحاد متعلّقهما شخصا خارجا وكونه فردا واحدا (٢).

وأنت خبير بفساد كلا التوهّمين ، فإنّ تعدّد الوجه إن كان يجدي بحيث لا يضرّ معه الاتّحاد بحسب الوجود والإيجاد لكان يجدي ولو على القول بالأفراد ، فإنّ الموجود الخارجيّ الموجّه بوجهين يكون فردا لكلّ من الطبيعتين ، فيكون مجمعا لفردين موجودين بوجود واحد ، فكما لا يضرّ وحدة الوجود بتعدّد الطبيعتين ، لا يضرّ بكون المجمع اثنين بما هو مصداق وفرد لكلّ من الطبيعتين ، وإلّا لما كان يجدي أصلا حتّى على القول بالطبائع كما لا يخفى ، لوحدة الطبيعتين وجودا واتّحادهما خارجا ؛ فكما أنّ وحدة الصلاتيّة والغصبيّة في الصلاة في الدار المغصوبة وجودا غير ضائر بتعدّدهما وكونهما طبيعتين ، كذلك وحدة ما وقع في الخارج من خصوصيّات الصلاة فيها وجودا غير ضائر بكونه فردا للصلاة فيكون مأمورا به ، وفردا للغضب فيكون منهيّا عنه ، فهو ـ على وحدته وجودا ـ يكون اثنين ، لكونه مصداقا للطبيعتين (٣). فلا تغفل.

__________________

ـ الثانية : عدم جريان النزاع فيما إذا قلنا بتعلّق الأحكام بالأفراد ، بل لا مناص من الالتزام بالامتناع ، إذ الفرد عبارة عن الوجود الواحد الشخصيّ الخارجيّ ، ومن الواضح أنّه لا يعقل أن يكون الواحد الشخصيّ مصداقا لحكمين متضادّين ، وإلّا لزم اجتماع الضدّين.

(١) أي : على القول بالطبائع.

(٢) وحاصل هذا التوهّم هو الالتزام بالتفصيل في مسألة الاجتماع. بأن يقال : الحقّ أنّ اجتماع الأمر والنهي جائز على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع ، وممتنع على القول بتعلّقها بالأفراد. بدعوى أنّه على القول بالطبائع يتعدّد متعلّق الأمر والنهي في مرحلة تعلّق الحكم به ، فلم يجتمعا في واحد وإن اجتمعا في المصداق. وأمّا على القول بالأفراد فبما أنّ متعلّقهما هو الفرد الواحد الشخصيّ فلا يمكن اجتماعهما عليه وتعلّقهما به.

(٣) حاصل الدفع : أنّ أساس النزاع على أنّ تعدّد الوجه هل يكفي في دفع غائلة اجتماع الضدّين أم لا؟ فلو قلنا بأنّ تعدّد الوجه يستلزم تعدّد المعنون فالاجتماع جائز مطلقا. أمّا ـ