درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۶: اجتماع امر و نهی ۱۴

 

وأمّا فيها (١) : فلا ، مع الالتفات إلى الحرمة ، أو بدونه تقصيرا (٢) ، فإنّه (٣) وإن كان متمكّنا مع عدم الالتفات من قصد القربة وقد قصدها ، إلّا أنّه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرّب به أصلا ، فلا يقع مقرّبا ، وبدونه (٤) لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادة ، كما لا يخفى.

وأمّا إذا لم يلتفت إليها قصورا وقد قصد القربة بإتيانه : فالأمر يسقط ، لقصد التقرّب بما يصلح أن يتقرّب به (٥) ، لاشتماله على المصلحة ، مع صدوره حسنا (٦) ، لأجل الجهل بحرمته قصورا ، فيحصل به الغرض من الأمر ، فيسقط به قطعا وإن لم يكن امتثالا له ، بناء على تبعيّة الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعا ، لا لما هو المؤثّر منها فعلا للحسن أو القبح ، لكونهما تابعين لما علم منهما (٧) ، كما حقّق في محلّه (٨).

مع أنّه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك (٩) ، فإنّ العقل لا يرى تفاوتا بينه(١٠) وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها ، وإن لم تعمّه بما هي مأمور بها (١١) ، لكنّه لوجود المانع ، لا لعدم المقتضي.

ومن هنا انقدح : أنّه (١٢) يجزئ ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحّة العبادة وعدم كفاية الإتيان بمجرّد المحبوبيّة ، كما يكون كذلك في ضدّ الواجب

__________________

(١) أي : في العبادات.

(٢) فلا يعذر في جهله ، فإنّ الجهل عن تقصير كالعلم.

(٣) أي : غير الملتفت.

(٤) أي : بدون التقرّب.

(٥) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «لأن يتقرّب به».

(٦) أي : مع صدوره بعنوان حسن ، وهو قصد التقرّب.

(٧) أي من المصالح والمفاسد.

(٨) يأتي مزيد توضيح في مبحث التجرّي ومبحث إمكان التعبّد بالأمارة غير العلميّة.

(٩) أي : مع كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة.

(١٠) أي : بين هذا الفرد من المجمع.

(١١) أي : وإن لم تعمّ الطبيعة بما هي مأمور بها ذلك المجمع.

(١٢) أي : المجمع.

حيث لا يكون هناك أمر يقصد أصلا.

وبالجملة : مع الجهل قصورا بالحرمة موضوعا (١) أو حكما (٢) يكون الإتيان بالمجمع امتثالا وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة. غاية الأمر أنّه لا يكون ممّا تسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للأحكام الواقعيّة ؛ وأمّا لو قيل بعدم التزاحم إلّا في مقام فعليّة الأحكام لكان ممّا تسعه وامتثالا لأمرها بلا كلام (٣).

__________________

(١) بأن لم يعلم بالغصب في المثال المعروف.

(٢) بأن لم يعلم حرمة الغصب ـ مثلا ـ.

(٣) ومنتقى ما أفاده المصنّف رحمه‌الله إلى هنا أنّ المجمع يختلف حكمه باختلاف الأقوال والحالات.

بيان ذلك : أنّه لا يخلو : إمّا أن نقول في المقام بجواز اجتماع الأمر والنهي ، وإمّا أن نقول بامتناعه. وعلى الثاني إمّا أن يقدّم جانب الأمر ، وإمّا أن يقدّم جانب النهي. وعلى الثاني إمّا أن يكون المجمع توصّليّا ، وإمّا أن يكون عباديّا. وعلى الثانيّ إمّا أن يكون الفاعل ملتفتا إلى الحرمة ، وإمّا أن لا يكون ملتفتا إليها. وعلى الأخير إمّا أن يكون عدم التفاته إليها عن تقصير وإمّا أن يكون عن قصور. ففي المقام ستّة صور :

ولكلّ صورة حكم خاصّ :

أمّا الصورة الاولى : فحكمها سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع مطلقا ، في العبادات والتوصّليّات.

أمّا في التوصّليّات : فلأنّ الغرض منها صرف وجودها في الخارج ، فلا يعتبر فيها كيفيّة خاصّة.

وأمّا في العبادات : فلأنّ المفروض عدم اتّحاد العبادة مع الحرام ، فارتكاب الحرام ـ كالغصب ـ لا يوجب فسادها ، بل تنطبق على المجمع الطبيعة المأمور بها ، غاية الأمر يستلزم معصيته للنهي أيضا.

وأمّا الصورة الثانية : فحكمها سقوط الأمر بإتيان المجمع من دون ارتكاب معصية ، ـ

__________________

ـ لأنّ المفروض أنّه لا نهي في المقام حتّى يكون المجمع منهيّا عنه.

وأمّا الصورة الثالثة : فحكمها سقوط الأمر بإتيان المجمع ، لأنّ الغرض منه يحصل بمجرّد وجوده ولو كان في ضمن فعل محرّم.

وأمّا الصورة الرابعة : فحكمها فساد العبادة. وذلك لأنّ صحّة العبادة تتوقّف على امور :

١ ـ أن يكون الفعل في نفسه قابلا للتقرّب. ٢ ـ أن يقصد المكلّف التقرّب به. ٣ ـ أن لا يكون صدوره منه قبيحا ومبغوضا. أمّا الأمر الأوّل وإن كان موجودا في هذه الصورة ، لأنّ الفعل يشتمل على الملاك فيكون في نفسه قابلا لأن يتقرّب به ، إلّا أنّ الأمر الثاني والثالث غير موجودين هنا ، ضرورة أنّ المجمع عندئذ لا يكون مصداقا للمأمور به ، ومع الالتفات إلى الحرمة لا يمكن قصد التقرّب به ؛ مضافا إلى أنّه بما كان عالما بالحرمة فصدوره منه يكون قبيحا ومبغوضا.

وأمّا الصورة الخامسة : فحكمها فساد العبادة. وذلك لأنّ الأمر الأوّل والثاني وإن كانا موجودين هنا ، إلّا أنّ الأمر الثالث من الامور المعتبرة في صحّة العبادة غير موجود ، ضرورة أنّ جهله كان عن تقصير ـ أي يتمكّن من العلم ولم يعلّم ـ ، فيكون صدور الفعل منه قبيحا بل مبغوضا للمولى ، فإذن لا تكون العبادة صحيحة.

وأمّا الصورة السادسة : فحكمها صحّة العبادة وسقوط الأمر بإتيان المجمع. وذلك لتوفّر الامور الثلاثة فيها.

أمّا الأمر الأوّل : فلاشتمال الفعل على ملاك الوجوب ، فيكون قابلا للتقرّب به ؛ والجهل بالحرمة بما أنّه كان عن قصور يمنع عن فعليّة الحرمة ، والحرمة غير الفعليّة لا تمنع عن قابليّة العبادة للتقرّب.

وأمّا الأمر الثاني : فلأنّ المفروض أنّ المكلّف متمكّن من قصد القربة في هذا الحال.

وأمّا الأمر الثالث : فلأنّ جهله كان عن قصور ، فلا يقدر على العلم ويكون صدور الفعل منه حسنا.

فإذا لا مانع من الحكم بصحّة العبادة في هذه الصورة.

وإنّما الكلام في أنّه هل تنطبق الطبيعة المأمور بها على المجمع في هذه أو لا تنطبق؟ وهل يصدق على إتيان المجمع ـ عندئذ ـ امتثال الأمر أو لا يصدق؟

فيه وجوه :

الأوّل : أنّه لا يصدق عليه عنوان امتثال الأمر. وذلك لأنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة من دون إناطتها بالعلم بتلك الملاكات. وعليه تكون العبادة حراما ، لتبعيّة ـ

وقد انقدح بذلك (١) : الفرق بين ما إذا كان دليلا الحرمة والوجوب متعارضين وقدّم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا ، حيث لا يكون معه مجال للصحّة أصلا (٢) ، وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة ، حيث يقع صحيحا في موارد النسيان وغير مورد من موارد الجهل (٣) ، لموافقته للغرض بل للأمر.

__________________

ـ الحرمة لملاكها النفس الأمريّ ، وهو المفسدة الغالبة على المصلحة ـ كما هو المفروض على القول بالامتناع وترجيح جانب النهي ـ ، حيث إنّ الحكم تابع لأقوى الملاكين. فالطبيعة المأمور بها لا تعمّ المجمع بما هي مأمور بها. وذلك لا يضرّ بصحّته لو كان عبادة ، فإنّ صحّة العبادة لا تتوقّف على الأمر ، بل يكفي فيها ثبوت ملاك الوجوب في الفعل كي يكون قابلا للتقرّب.

وقد أشار المصنّف رحمه‌الله إلى هذا الوجه بقوله : «بناء على تبعيّة الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح والمفاسد واقعا».

الثاني : أن يصدق عليه عنوان امتثال الأمر. وذلك بأن يقال : «إنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد المؤثّرة في الحسن والقبح الفعليّين». وعليه لا مزاحمة بين جهات المصالح والمفاسد في الواقع ، فلا أثر للملاك الواقعيّ ، بل المؤثّر إنّما هو الملاك الفعليّ الواصل إلى المكلّف ، وهو ما كان ملتفتا إليه. والملاك الواصل إلى المكلّف في المقام هو الوجوب ، لأنّه ملتفت إليه ، دون الحرمة. وعليه فيكون المجمع مصداقا للمأمور به ويصدق على الإتيان به عنوان امتثال الأمر.

وهذا الوجه ذكره المصنّف رحمه‌الله ولم يرتضه ، حيث قال : «لا لما هو المؤثّر منها ...».

الثالث : أنّه يصدق عليه عنوان امتثال الأمر حتّى على القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعيّة. وذلك لأنّ العقل لا يرى تفاوتا بين هذا المجمع الّذي هو فرد من أفراد الطبيعة وبين سائر أفرادها في الوفاء بالغرض القائم بالطبيعة المأمور بها. وعندئذ يحكم العقل بتحقّق الامتثال إذا اتي بهذا الفرد بداعي امتثال الأمر بالطبيعة. نعم ، الطبيعة المأمور بها لا تشمل هذا الفرد ، لكن عدم الشمول ليس لعدم المقتضي ، فإنّ المفروض أنّ المقتضي ـ وهو الوفاء بالغرض ـ موجود فيه ، بل إنّما هو لوجود المانع ـ وهو التزاحم ـ ، فإنّه أوجب عدم شمول الطبيعة بوصف كونها مأمورا بها للفرد المزاحم.

وأشار المصنّف رحمه‌الله إلى هذا الوجه بقوله : «مع أنّه يمكن أن يقال ...».

(١) أي بما ذكر في تصحيح العبادة مع الجهل القصوريّ بالحرمة على القول بالامتناع من اشتمالها على المصلحة.

(٢) وإن فرض أنّه كان جاهلا بالحرمة وكان جهله عن قصور ، أو فرض أنّه نسي الحرمة.

(٣) وفي النسخ : «حيث يقع صحيحا في غير مورد من موارد الجهل والنسيان». ولكن العبارة ـ

ومن هنا علم : أنّ الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة ، لا الانقياد ومجرّد اعتقاد الموافقة.

وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الأصحاب بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع ، بل أو الحكم ، إذا كان عن قصور ، مع أنّ الجلّ لو لا الكلّ قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة ، ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر. فلتكن من ذلك على ذكر (١).

[القول بالامتناع ودليله]

إذا عرفت هذه الامور فالحقّ هو القول بالامتناع ، كما ذهب إليه

__________________

ـ لا يطابق مقصود المصنّف رحمه‌الله في المقام. بيان ذلك : أنّ في قوله : «والنسيان» وجهين :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله : «موارد الجهل» فيكون معنى العبارة : «يقع المجمع صحيحا في كثير من الموارد ، وهي موارد الجهل وموارد النسيان». وهذا غير مقصود قطعا ، لأنّ المجمع عند المصنّف رحمه‌الله لا يكون صحيحا في تمام موارد الجهل ، بل إنّما يكون صحيحا في موارد الجهل القصوريّ.

الثاني : أن يكون معطوفا على قوله : «غير مورد من موارد الجهل» فيكون معنى العبارة : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد الجهل وفي كثير من موارد النسيان». وهذا أيضا غير مقصود قطعا ، لأنّ موارد النسيان عبارة عن نسيان الموضوع ونسيان الحكم ونسيان كليهما ، والمجمع صحيح في جميع هذه الموارد ، لاطلاق حديث الرفع ، فلا يصحّ أن يقال : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد النسيان» ، بل الصحيح ما أثبتناه.

إن قلت : إنّ النسيان أيضا ينقسم إلى قسمين : أحدهما : النسيان عن تقصير ، وهو ما إذا كان النسيان مستندا إلى سوء اختيار المكلّف. وثانيهما : النسيان عن قصور ، وهو فيما إذا لم يكن مستندا إليه. ولا يصحّ المجمع في القسم الثاني. فيصحّ أن يقال : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد النسيان».

قلت : ظاهر كلام المصنّف رحمه‌الله ـ بعد أسطر ـ : «مع النسيان أو الجهل بالموضوع ، بل أو الحكم ، إذا كان عن قصور» أنّه لم يرتض هذا التقسيم ، وإلّا يقول : «إذا كانا عن قصور».

(١) وناقش المحقّق الخوئيّ فيما أفاده المصنّف رحمه‌الله في هذه المقدّمة من وجوه خمسة ، تركناها خوفا من التطويل. فراجع المحاضرات ٤ : ٢٣١ ـ ٢٤٠.