درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۸: اجتماع امر و نهی ۱۶

 

عنه وهو فاعله وجاعله (١) ؛ لا ما هو اسمه ـ وهو واضح ـ ؛ ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتزع عنه ـ بحيث لو لا انتزاعه تصوّرا واختراعه ذهنا لما كان بحذائه (٢) شيء خارجا ـ ويكون خارج المحمول (٣) كالملكيّة والزوجيّة والرقيّة والحرّيّة والغصبيّة إلى غير ذلك من الاعتبارات والإضافات ، ضرورة أنّ البعث ليس نحوه ، والزجر لا يكون عنه (٤) ، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها والإشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها ، لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله.

__________________

(١) هكذا في النسخ ، والاولى أن يقول : «وهو ما فاعله وجاعله».

ولا يخفى : أنّ تعلّق الأحكام بفعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج ممنوع ، لأنّه متوقّف على وجوده قبل تعلّق الأحكام ، والبعث إلى إيجاد الموجود تحصيل للحاصل ، كما أنّ الزجر عمّا وجد في الخارج ممتنع. فلا يتعلّق الأحكام بالوجود الخارجيّ.

ولذا استشكل المحقّق الاصفهانيّ في هذه المقدّمة وذهب إلى أنّ متعلّق الأحكام هو العنوان بما هو مرآة للمعنون وفان فيه ، فيكون فناء العنوان في المعنون مصحّحا لتعلّق التكليف به. نهاية الدراية ١ : ٥٢٧ ـ ٥٢٨.

واستشكل فيها السيّد الإمام الخمينيّ أيضا ، وذهب إلى أنّ الأحكام لا يتعلّق بالمعنون بما أنّه موجود في الخارج ، كما لا يتعلّق بالعنوان بما أنّه موجود في الذهن. أمّا الأوّل : فواضح ـ لما مرّ ـ. وأمّا الثاني : فلأنّه غير ممكن الانطباق على الخارج. بل الأحكام تتعلّق بالطبيعة بما هي هي ، وإن كان ظرف تعلّقها بها هو الذهن. فمتعلّق الهيئة في قوله : «صلّ» هو الماهيّة لا بشرط ، ومفاد الهيئة هو البعث والتحريك إلى تحصيلها. مناهج الوصول ٢ : ١٣٠.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ الأحكام تتعلّق بالطبيعة باعتبار مرآتيّتها للوجود الخارجيّ. فوائد الاصول ٢ : ٤٠١.

(٢) أي : بحذاء المعنون.

(٣) والمراد من خارج المحمول في المقام هو ما ينتزع من حاقّ الموضوع ويحمل عليه من دون أن يكون له ما بإزاء في الخارج ، فإنّ عنوان الملكيّة ـ مثلا ـ ينتزع من فعل المكلّف ويحمل عليه من دون أن يكون له ما بإزاء في الخارج.

وقد مرّت الإشارة إلى الفرق بين خارج المحمول والمحمول بالضميمة فيما علّقت على مباحث المشتقّ ، فراجع الجزء الأوّل : ١١٠.

(٤) الضمير في قوله : «نحوه» و «عنه» يرجع إلى العنوان.

ثالثتها (١) : [تعدّد العنوان لا يستلزم تعدّد المعنون]

انّه لا يوجب تعدّد الوجه والعنوان تعدّد المعنون ، ولا تنثلم به وحدته ، فإنّ المفاهيم المتعدّدة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد وتصدق على الفارد الّذي لا كثرة فيه من جهة ، بل بسيط من جميع الجهات ، ليس فيه حيث غير حيث ، وجهة مغايرة لجهة أصلا ، كالواجب تبارك وتعالى ، فهو على بساطته ووحدته وأحديّته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلاليّة والجماليّة. له الأسماء الحسنى والأمثال العليا ، لكنّها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد.

عباراتنا شتّى وحسنك واحد

وكلّ إلى ذاك الجمال يشير (٢)

رابعتها : [الواحد وجودا واحد ماهيّة وذاتا]

انّه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلّا ماهيّة واحدة وحقيقة فاردة ، لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلّا تلك الماهيّة ؛ فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كلّ منهما ماهيّة وحقيقة كانت عينه في الخارج ، كما هو شأن الطبيعيّ وفرده ، فيكون الواحد وجودا واحدا ماهيّة وذاتا لا محالة ؛ فالمجمع وإن تصادق عليه متعلّقا الأمر والنهي ، إلّا أنّه كما يكون واحدا وجودا يكون

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ثالثها». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) لا يخفى : أنّ غاية ما برهن عليه المصنّف رحمه‌الله أنّ تعدّد العنوان لا يكشف عن تعدّد المعنون.

ومعلوم أنّ عدم الكشف أعمّ من أن يكون المعنون في الواقع واحدا أو متعدّدا. فلم يبرهن على أنّ المعنون واحد في جميع موارد الاجتماع.

ومن هنا استشكل المحقّق الأصفهانيّ في كليّة هذه الدعوى ، وذهب إلى أنّ تعدّد العنوان قد يستلزم تعدّد المطابق خارجا ، وقد لا يستلزمه ، فإنّ البرهان قد يقوم على استحالة كون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين ، فيكونا متقابلين كالعلّيّة والمعلوليّة ؛ وقد لا يقوم عليها ، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين. وهذه المفاهيم إن كان مبدئها في مرتبة الذات فلا يستدعي العنوان ومبدأه مطابقين ، وإن كان في مرتبة متأخّرة عن ذاته فيكون للمبدا وجود مغاير للذات قائم بها ، فيستدعي العنوان ومبدأه مطابقين. نهاية الدراية ١ : ٥٢٩.