درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۹: اجتماع امر و نهی ۱۷

 

ثالثتها (١) : [تعدّد العنوان لا يستلزم تعدّد المعنون]

انّه لا يوجب تعدّد الوجه والعنوان تعدّد المعنون ، ولا تنثلم به وحدته ، فإنّ المفاهيم المتعدّدة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد وتصدق على الفارد الّذي لا كثرة فيه من جهة ، بل بسيط من جميع الجهات ، ليس فيه حيث غير حيث ، وجهة مغايرة لجهة أصلا ، كالواجب تبارك وتعالى ، فهو على بساطته ووحدته وأحديّته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلاليّة والجماليّة. له الأسماء الحسنى والأمثال العليا ، لكنّها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد.

عباراتنا شتّى وحسنك واحد

وكلّ إلى ذاك الجمال يشير (٢)

رابعتها : [الواحد وجودا واحد ماهيّة وذاتا]

انّه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلّا ماهيّة واحدة وحقيقة فاردة ، لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلّا تلك الماهيّة ؛ فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كلّ منهما ماهيّة وحقيقة كانت عينه في الخارج ، كما هو شأن الطبيعيّ وفرده ، فيكون الواحد وجودا واحدا ماهيّة وذاتا لا محالة ؛ فالمجمع وإن تصادق عليه متعلّقا الأمر والنهي ، إلّا أنّه كما يكون واحدا وجودا يكون

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ثالثها». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) لا يخفى : أنّ غاية ما برهن عليه المصنّف رحمه‌الله أنّ تعدّد العنوان لا يكشف عن تعدّد المعنون.

ومعلوم أنّ عدم الكشف أعمّ من أن يكون المعنون في الواقع واحدا أو متعدّدا. فلم يبرهن على أنّ المعنون واحد في جميع موارد الاجتماع.

ومن هنا استشكل المحقّق الأصفهانيّ في كليّة هذه الدعوى ، وذهب إلى أنّ تعدّد العنوان قد يستلزم تعدّد المطابق خارجا ، وقد لا يستلزمه ، فإنّ البرهان قد يقوم على استحالة كون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين ، فيكونا متقابلين كالعلّيّة والمعلوليّة ؛ وقد لا يقوم عليها ، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين. وهذه المفاهيم إن كان مبدئها في مرتبة الذات فلا يستدعي العنوان ومبدأه مطابقين ، وإن كان في مرتبة متأخّرة عن ذاته فيكون للمبدا وجود مغاير للذات قائم بها ، فيستدعي العنوان ومبدأه مطابقين. نهاية الدراية ١ : ٥٢٩.

واحدا ماهيّة وذاتا ؛ ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهيّة.

ومنه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة على القولين (١) في تلك المسألة ـ كما توهّم في الفصول (٢) ـ ، كما ظهر عدم الابتناء على تعدّد وجود الجنس والفصل في الخارج وعدم تعدّده ، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له ، وأنّ مثل الحركة في دار ـ من أيّ مقولة كانت ـ لا يكاد تختلف حقيقتها وماهيّتها ويتخلّف ذاتيّاتها ، وقعت جزء للصلاة أو لا ، كانت تلك الدار مغصوبة أولا (٣).

__________________

(١) أي : القول بأصالة الوجود والقول بأصالة الماهيّة.

(٢) هكذا في جميع النسخ ، والأولى أن يحذف قوله : «كما توهّم في الفصول» وأن يقول عقيب قوله : «وعدم تعدّده» : «كما توهّما في الفصول».

وذلك لأنّ الظاهر من كتاب الفصول : ١٢٦ أنّ صاحب الفصول توهّم أمرين :

أحدهما : أنّ القول بالجواز يبتني على القول بأصالة الماهيّة ، لأنّ الماهيّة ـ بناء على أصالتها ـ متعدّدة في مورد الاجتماع ، ضرورة أنّ ماهيّة الصلاة غير ماهيّة اخرى : فإذن كانتا متعدّدتين ؛ ولا مناص من تعلّق الأمر بأحدهما والنهي بالآخر. والقول بالامتناع يبتني على القول بأصالة الوجود ، لأنّ الوجود في مورد الاجتماع واحد ، والوجود الواحد يستحيل أن يكون مصداقا للمأمور به والمنهي عنه.

وثانيهما : ابتناء القول بالجواز على تعدّد وجود الجنس والفصل ، والقول بالامتناع على اتّحاد وجودهما. وذلك لأنّه إن كان مورد الأمر الماهيّة الجنسيّة ومورد النهي الماهيّة الفصليّة وكانت الماهيّتان موجودتين بوجود واحد فلا مناص من القول بالامتناع ، وإن كانتا متعدّدتين في الوجود فلا مناص من القول بالجواز.

والمصنّف دفع التوهّمين بما ذكره في هذه المقدّمة من أنّه لا يعقل أن يكون لوجود واحد ماهيّتان. فظهر فساد التوهّم الأوّل ، لأنّ المجمع إذا كان له وجود واحد فلا محالة يكون له ماهيّة واحدة ، ولا يعقل أن تكون له ماهيّتان حقيقيّتان ، سواء قلنا بأصالة الوجود أو أصالة الماهيّة.

وظهر أيضا فساد التوهّم الثاني ، لأنّ المجمع إذا كان له وجود واحد فلا تكون له ماهيّتان لتكون أحدهما جنسا والآخر فصلا. فما نحن فيه من قبيل القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع.

(٣) وقد عرفت أنّ صدق العناوين المتعدّدة لا تكاد تنثلم به وحدة المعنون ، لا ذاتا ولا وجودا ، غايته أن تكون له خصوصيّة بها يستحقّ الاتّصاف بها ، و [يكون] محدودا بحدود موجبة لانطباقها عليه كما لا يخفى. وحدوده ومختصّاته لا توجب تعدّده بوجه أصلا ، فتدبّر جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].