درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۲۲: اجتماع امر و نهی ۲۰

 

تعدّد المعنون ، لا وجودا ولا ماهيّة ، ولا تنثلم به وحدته أصلا (١) ؛ وأنّ المتعلّق للأحكام هو المعنونات لا العنوانات ، وأنّها إنّما تؤخذ في المتعلّقات بما هي حاكيات ـ كالعبارات ـ ، لا بما هي على حيالها واستقلالها.

كما ظهر ممّا حقّقناه : أنّه لا يكاد يجدي أيضا كون الفرد مقدّمة لوجود الطبيعيّ المأمور به أو المنهيّ عنه (٢) ، وأنّه لا ضير في كون المقدّمة محرّمة في صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار. وذلك ـ مضافا إلى وضوح فساده ، وأنّ الفرد هو عين الطبيعيّ في الخارج ، كيف والمقدّميّة تقتضي الاثنينيّة بحسب الوجود ، ولا تعدّد (٣) كما هو واضح ـ أنّه إنّما يجدي لو لم يكن المجمع واحدا ماهيّة ، وقد عرفت

__________________

(١) مرّ ما فيه.

(٢) لا يخفى : أنّ قوله : «لا يكاد يجدى أيضا كون الفرد مقدّمة لوجود الطبيعيّ المأمور به أو المنهيّ عنه» تعريض لما أفاده المحقّق القميّ في القوانين ١ : ١٤٠ من التفصيل في المقام.

وحاصل التفصيل : أنّ القول بجواز الاجتماع يبتني على القول بأنّ الفرد مقدّمة لوجود الطبيعة ، والقول بالامتناع يبتني على القول بأنّه ليس مقدّمة لوجودها.

وتوضيحه : أنّه بناء على كون الفرد مقدّمة لوجود الطبيعيّ المأمور به أو المنهيّ عنه تعلّق الأمر بوجود الطبيعة بنفسها كما تعلّق النهي بترك المنهيّ عنه بنفسه. فقوله : «صلّ» تعلّق بطبيعة الصلاة ، كما أنّ قوله : «لا تغصب» تعلّق بطبيعة الغصب ، غاية الأمر أنّ الطبيعة توجد بوجود فردها ، فيكون الفرد مقدّمة لوجود الطبيعة المأمور بها أو المنهيّ عنها. وعليه فتكون الصلاة في الدار المغصوبة ـ وهي فرد من أفراد الصلاة والغصب ـ مقدّمة لوجود ما تعلّق به الأمر النفسيّ ـ أي طبيعة الصلاة ـ كما كان مقدّمة لوجود ما تعلّق به النهي النفسيّ ـ أي طبيعة الغصب ـ. وحينئذ فإن قلنا بعدم الملازمة بين المقدّمة وذيها لا يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في فرد واحد ، بل الحرمة تتعلّق بالمقدّمة ـ أي الفرد ـ والوجوب يتعلّق بذي المقدّمة ـ أي الطبيعة ـ ؛ وإن قلنا بالملازمة بينهما فاجتماع الوجوب والحرمة وإن كان متحقّقا في هذا الفرد ، إلّا أنّه لا بأس به ، لأنّ حرمتها نفسيّ ووجوبها غيريّ ، وحرمة المقدّمة لا تضرّ بتحقّق ذي المقدّمة وامتثال أمره إذا لم يكن الانحصار بسوء الاختيار.

وأمّا بناء على عدم كونه مقدّمة لوجود الطبيعة فلا مناص من القول بتعلّق الأمر والنهي بنفس هذا الفرد ، ويلزم اجتماع الأمر والنهي النفسيّين في واحد ، وهو محال.

(٣) أي : ولا تعدّد بين الفرد والطبيعيّ في الخارج.

بما لا مزيد عليه (١) أنّه بحسبها أيضا واحد.

[القول بالجواز ودليله]

ثمّ إنّه قد استدلّ على الجواز بامور :

[الأمر الأوّل والجواب عنه]

منها : أنّه لو لم يجز اجتماع الأمر والنهي لما وقع نظيره ، وقد وقع ، كما في العبادات المكروهة ، كالصلاة في مواضع التّهمة (٢) وفي الحمّام ، والصيام في السفر وفي بعض الأيّام(٣).

بيان الملازمة : أنّه لو لم يكن تعدّد الجهة مجديا في إمكان اجتماعهما لما جاز اجتماع حكمين آخرين (٤) في مورد مع تعدّدها ، لعدم اختصاصهما من بين الأحكام بما يوجب الامتناع من التضادّ ، بداهة تضادّها بأسرها ، والتالي (٥) باطل ، لوقوع اجتماع الكراهة والإيجاب أو الاستحباب في مثل الصلاة في الحمّام ، والصيام في السفر وفي العاشوراء ـ ولو في الحضر ـ ، واجتماع الوجوب أو الاستحباب مع الإباحة أو الاستحباب في مثل الصلاة في المسجد أو الدار (٦).

__________________

(١) في المقدّمة الرابعة.

(٢) كالمعاطن والمزابل.

(٣) كصوم يوم عاشوراء.

وهذا الدليل هو الدليل الثاني من الأدلّة الّتي استدلّ بها المحقّق القميّ على الجواز. فراجع القوانين ١ : ١٤٢.

(٤) غير الوجوب والحرمة.

(٥) وهو عدم وقوع اجتماع حكمين غير الوجوب والحرمة.

(٦) الصلاة الواجبة في المسجد مثال لوقوع اجتماع الوجوب والاستحباب. والصلاة الواجبة في الدار مثال لوقوع اجتماع الوجوب والإباحة. والصلاة النافلة في المسجد مثال لوقوع اجتماع الاستحباب مع مثله. والصلاة النافلة في الدار مثال لوقوع اجتماع الاستحباب والإباحة.

والجواب عنه :

أمّا إجمالا : فبأنّه لا بدّ من التصرّف والتأويل فيما وقع في الشريعة ممّا ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع ، ضرورة أنّ الظهور لا يصادم البرهان. مع أنّ قضيّة ظهور تلك الموارد اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد ، ولا يقول الخصم بجوازه كذلك ، بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين وبوجهين. فهو أيضا لا بدّ له من التفصّي عن إشكال الاجتماع فيها ، لا سيّما إذا لم يكن هناك مندوحة ، كما في العبادات المكروهة الّتي لا بدل لها (١). فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا ، كما لا يخفى.

وأمّا تفصيلا : فقد اجيب عنه بوجوه يوجب ذكرها بما فيها من النقض والإبرام طول الكلام بما لا يسعه المقام (٢).

فالأولى الاقتصار على ما هو التحقيق في حسم مادّة الإشكال ، فيقال ـ وعلى الله الاتّكال ـ :

إنّ العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام :

أحدها : ما تعلّق به النهي بعنوانه وذاته ولا بدل له ، كصوم يوم العاشوراء والنوافل المبتدأة (٣) في بعض الأوقات (٤).

ثانيها : ما تعلّق به النهي كذلك (٥) ويكون له البدل ، كالنهي عن الصلاة في الحمّام.

ثالثها : ما تعلّق النهي به لا بذاته ، بل بما هو مجامع معه وجودا أو ملازم له

__________________

(١) كصوم يوم عاشوراء.

(٢) وعلى الطالب المحقّق أن يرجع مطارح الأنظار : ١٣٠ والفصول الغرويّة : ١٢٨.

(٣) وهي النوافل الّتي لم يرد فيها نصّ بالخصوص بناء على استحبابها.

(٤) كما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس ، وبين صلاة العصر وغروبها ، وعند طلوعها ، وحين غروبها.

(٥) أي : بذاته.