درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۲۵: اجتماع امر و نهی ۲۳

 

غالبة على مصلحته ، ولذا لا يقع صحيحا على الامتناع ، فإنّ الحزازة والمنقصة فيه مانعة عن صلاحيّة التقرّب به ، بخلاف المقام ، فإنّه (١) على ما هو عليه من الرجحان وموافقة الغرض ـ كما إذا لم يكن تركه راجحا ـ بلا حدوث حزازة فيه أصلا.

وإمّا لأجل (٢) ملازمة الترك لعنوان كذلك من دون انطباقه عليه ، فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت ، إلّا في أنّ الطلب المتعلّق به حينئذ ليس بحقيقيّ ، بل بالعرض والمجاز ، فإنّما يكون (٣) في الحقيقة متعلّقا بما يلازمه من العنوان بخلاف صورة الانطباق لتعلّقه به حقيقة (٤) ، كما في سائر المكروهات من غير فرق ، إلّا أنّ منشأه فيها حزازة ومنقصة في نفس الفعل وفيه رجحان في الترك من دون حزازة في الفعل أصلا ، غاية الأمر كون الترك أرجح.

نعم (٥) ، يمكن أن يحمل النهي في كلا القسمين على الإرشاد إلى الترك الّذي

__________________

ـ كونه مقدّمة له ـ حراما ويفسد لو كان عبادة. مع أنّه لا حزازة في فعله وإنّما كان النهي عنه وطلب تركه لما فيه من المقدّميّة له وهو على ما هو عليه من المصلحة ، فالمنع عنه لذلك كاف في فساده لو كان عبادة.

قلت : يمكن أن يقال : إنّ النهي التحريميّ لذلك وإن كان كافيا في ذلك بلا إشكال ، إلّا أنّ التنزيهيّ غير كاف إلّا إذا كان عن حزازة فيه ، وذلك لبداهة عدم قابليّة الفعل للتقرّب به منه تعالى مع المنع عنه وعدم ترخيصه في ارتكابه. بخلاف التنزيهيّ عنه إذا كان لا لحزازة فيه بل لما في الترك من المصلحة الراجحة ، حيث إنّه معه مرخوص فيه وهو على ما هو عليه من الرجحان والمحبوبيّة له تعالى ، ولذلك لم تفسد العبادة إذا كانت ضدّ المستحبّة أهمّ اتّفاقا ، فتأمّل. منه [أعلى الله مقامه].

(١) أي : الفعل ، وهو الصوم يوم عاشوراء ـ مثلا ـ.

(٢) هذا ثاني الوجوه الّتي أجاب بها المصنّف رحمه‌الله عن إشكال القسم الأوّل. وحاصله : أنّ الوجه في النهي التنزيهيّ عن صوم عاشوراء هو ملازمة تركه لعنوان راجح ذي مصلحة أكثر من مصلحة فعله ، فيرجّح الترك لتحقّق تلك المصلحة الملازمة له. مثلا : تعلّق النهي بصوم يوم عاشوراء لملازمة تركه لحال البكاء على أبي عبد الله عليه‌السلام. والمفروض أنّ مصلحة البكاء في يوم عاشوراء أكثر من مصلحة صومه.

(٣) أي : يكون الطلب.

(٤) أي : لتعلّق الطلب بالترك حقيقة.

(٥) وهذا هو الوجه الثالث من الوجوه الّتي ذكرها المصنّف رحمه‌الله في الجواب عن إشكال القسم ـ

هو أرجح من الفعل أو ملازم لما هو الأرجح وأكثر ثوابا لذلك ، وعليه يكون النهي على نحو الحقيقة لا بالعرض والمجاز ، فلا تغفل (١).

وأمّا القسم الثاني (٢) : فالنهي فيه يمكن أن يكون لأجل ما ذكر في القسم الأوّل طابق النعل بالنعل. كما يمكن أن يكون بسبب حصول منقصة في الطبيعة المأمور بها ، لأجل تشخّصها في هذا القسم بمشخّص غير ملائم لها ، كما في الصلاة في الحمّام ، فإنّ تشخّصها بتشخّص وقوعها فيه (٣) لا يناسب كونها معراجا ، وإن لم يكن

__________________

ـ الأوّل. حاصله : أنّ المقصود بالنهي عن صوم عاشوراء هو الإرشاد إلى أن تركه أو ملازم تركه مشتمل على مصلحة أكثر من مصلحة فعله ، من دون أن يكون طلب الترك مولويّا ، بل تعلّق الطلب حقيقة بترك الصوم إرشادا. وعليه فلا يلازم اجتماع الحكمين في شيء واحد.

(١) وقد أورد السيّد الإمام الخمينيّ على ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في الجواب عن إشكال القسم الأوّل بما حاصله : أنّ الترك عدميّ ، لا يمكن انطباق عنوان وجوديّ عليه ، ولا يمكن أن يكون ملازما لشيء ، فإنّ الانطباق والملازمة من الوجوديّات الّتي لا بدّ في ثبوتها للشيء من ثبوت ذلك الشيء. مناهج الوصول ٢ : ١٤٠.

وأورد عليه المحقّق النائينيّ أيضا بما حاصله : أنّه إذا فرض اشتمال كلّ من الفعل والترك على مصلحة فبما أنّه يستحيل تعلّق الأمر بكلّ من النقيضين في زمان واحد يكون المؤثّر في نظر الآمر إحداهما على تقدير كونها أقوى من الاخرى. وعلى تقدير التساوي تسقط كلتاهما معا عن التأثير ، لاستحالة تعلّق الطلب التخييريّ بالنقيضين ، فإنّه طلب الحاصل. وعليه يستحيل كون كلّ من الفعل والترك مطلوبا بالفعل.

ثمّ تصدّي لجواب آخر ، حاصله : أنّ الإشكال في اتّصاف العبادة المكروهة في هذا القسم إنّما نشأ من الغفلة عن أنّ متعلّق النهي فيها غير متعلّق الأمر ، فإنّ متعلّق الأمر هو ذات العبادة ومتعلّق النهي هو التعبّد بها ، لأنّ التعبّد بها منهيّ عنه ، لما فيه من المشابهة والموافقة لبني أميّة (لعنهم الله) ، فلا يلزم اجتماعهما في شيء واحد. فوائد الاصول ٢ : ٤٣٩ ، أجود التقريرات ٢ : ٣٦٥ ـ ٣٦٧.

ولكن ناقش السيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ في ما أفاده المحقّق النائينيّ من وجوه. فراجع مناهج الوصول ٢ : ١٤١ ـ ١٤٢ ، والمحاضرات ٤ : ٣١٧ ـ ٣٢٥.

(٢) وهو ما تعلّق النهي بذات العبادة وكان لها بدل ، كالصلاة في الحمّام.

(٣) هكذا في جميع النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «فإنّ تشخّصها بوقوعها فيه ...». ويكون المعنى : فإنّ تشخّص الصلاة بوقوعها في الحمّام لا يناسب معراجيّتها.

نفس الكون في الحمّام بمكروه ولا حزازة فيه أصلا ، بل كان راجحا كما لا يخفى. وربما يحصل لها (١) ـ لأجل تخصّصها بخصوصيّة شديد الملاءمة (٢) معها ـ مزيّة فيها (٣) ، كما في الصلاة في المسجد والأمكنة الشريفة. وذلك (٤) لأنّ الطبيعة المأمور بها في حدّ نفسها ـ إذا كانت مع تشخّص لا تكون له شدّة الملاءمة ولا عدم الملاءمة ـ لها مقدار من المصلحة والمزيّة (٥) ، كالصلاة في الدار ـ مثلا ـ ، وتزداد تلك المزيّة فيما كان تشخّصها بماله شدّة الملاءمة ، وتنقص فيما إذا لم تكن له ملائمة (٦). ولذلك ينقص ثوابها تارة ، ويزيد اخرى. ويكون النهي فيه ـ لحدوث نقصان في مزيّتها فيه (٧) ـ إرشادا إلى ما لا نقصان فيه من سائر الأفراد ويكون أكثر ثوابا منه (٨). وليكن هذا مراد من قال : «إنّ الكراهة في العبادة بمعنى أنّها تكون أقلّ ثوابا».

ولا يرد عليه (٩) : بلزوم اتّصاف العبادة الّتي تكون أقلّ ثوابا من الاخرى بالكراهة ، ولزوم اتّصاف ما لا مزيّة فيه (١٠) ولا منقصة بالاستحباب ، لأنّه أكثر ثوابا

__________________

(١) أي : للصلاة.

(٢) هكذا في النسخ : والصحيح أن يقول : «شديدة الملاءمة».

(٣) هكذا في النسخ. والصواب أنّ قوله : «فيها» مستدرك.

(٤) أي : حصول المنقصة في الطبيعة المأمور بها أو المزيّة لها.

(٥) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «وذلك لأنّ للطبيعة المأمور بها في حدّ نفسها ـ إذا كانت ... ـ مقدار من المصلحة والمزيّة».

(٦ ـ ٧) أي : فيما إذا لم تكن للتشخّص ملائمة مع العبادة.

(٨) لا يخفى : أنّ متعلّق النهي هو العبادة المتشخّصة بخصوصيّة غير الملاءمة معها. ولو فرض كونه إرشاديّا يكون إرشادا إلى متعلّقه ، فيكون النهي عن العبادة فيما إذا لم تكن للخصوصيّة ملائمة معها إرشادا إلى نقصان هذا الفرد بالنسبة إلى سائر الأفراد وأقلّيّة ثوابه عن سائر الأفراد. فكان الأولى أن يقول : «ويكون النهي في العبادة الّتي تنقص مزيّتها بسبب تشخّصه بالخصوصيّة الخاصّة إرشادا إلى نقصان هذا الفرد بالنسبة إلى سائر أفراد الطبيعة وأنّه أقلّ ثوابا من الأفراد الأخر».

نعم ، لازم إرشاده إليه هو البعث إلى ما لا نقصان فيه.

(٩) هذا الإيراد تعرّض له المحقّق القميّ واعترف بعدم وروده ، كما ذكره الشيخ الأعظم ـ على ما في تقريراته ـ ثمّ أجاب عنه. راجع قوانين الاصول ١ : ١٤٣ ، ومطارح الأنظار : ١٣٢.

(١٠) وفي بعض النسخ : «ما لا مزيد فيه».