درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۲۸: اجتماع امر و نهی ۲۶

 

إلّا من مخصّصاته ومشخّصاته الّتي تختلف الطبيعة المأمور بها في المزيّة ـ زيادة ونقيصة ـ بحسب اختلافها في الملاءمة ، كما عرفت.

وقد انقدح بما ذكرناه : أنّه لا مجال أصلا لتفسير الكراهة في العبادة بأقلّيّة الثواب في القسم الأوّل (١) مطلقا (٢) ، وفي هذا القسم على القول بالجواز (٣).

كما انقدح حال اجتماع الوجوب والاستحباب فيها (٤) ؛ وأنّ الأمر الاستحبابيّ يكون على نحو الإرشاد إلى أفضل الأفراد مطلقا (٥) على نحو الحقيقة ، ومولويّا اقتضائيّا كذلك (٦) ، وفعليّا بالعرض والمجاز فيما كان ملاكه ملازمتها لما هو مستحبّ (٧) ، أو متّحدة معه (٨) على القول بالجواز.

ولا يخفى : أنّه لا يكاد يأتي القسم الأوّل هاهنا (٩) ، فإنّ انطباق عنوان راجح على الفعل الواجب الّذي لا بدل له إنّما يؤكّد إيجابه ، لا أنّه يوجب استحبابه أصلا ،

__________________

(١) كصوم يوم عاشوراء والنوافل المبتدئة وغيرها ممّا لا بدل له. والوجه في عدم كون الكراهة بمعنى أقلّيّة الثواب أنّ الطبيعة منحصرة في فرد واحد ، وهو صوم يوم عاشوراء ـ مثلا ـ. فلا فرد آخر لطبيعة صوم يوم عاشوراء كي يقاس عليه قلّة الثواب وكثرته في سائر الأفراد ويكون النهي إرشادا إلى إتيان الطبيعة في ضمن غيره من الأفراد الّتي لا منقصة فيها.

(٢) أي : سواء بنينا على الجواز أو الامتناع. أمّا على الأوّل فلتعدّد متعلّق الأمر والنهي. وأمّا على الثاني فلعدم بدل للعبادة.

(٣) إذ على هذا القول يتعدّد متعلّق الأمر والنهي ، ولا مانع من اجتماع الأمر والنهي المولويّين ، فلا حاجة إلى تأويل النهي وحمله على غير ظاهره من الإرشاديّة.

(٤) أي : في العبادات.

(٥) أي : على كلا القولين.

(٦) أي : على نحو الحقيقة.

(٧) أي : فيما كان ملاك الأمر الاستحبابيّ ملازمة العبادة الواجبة لما هو مستحبّ ، كملازمة الصلاة لاجتماع المسلمين في مكان ، والمفروض أنّ اجتماعهم مستحبّ.

(٨) هكذا في النسخة الأصليّة. والتحقيق أنّه إن كان معطوفا على قوله : «مستحبّ» فالصحيح أن يقول : «أو متّحد معه» ، ويكون معنى العبارة : أو ملازمتها لما هو متّحد مع مستحبّ. وأمّا إن كان معطوفا على قوله: «ملازمتها» فالصحيح أن يقول : «أو اتّحادها معه».

(٩) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «لا يكاد يأتي ما ذكر في القسم الأوّل هاهنا».

ولو بالعرض والمجاز ، إلّا على القول بالجواز. وكذا فيما إذا لازم مثل هذا العنوان ، فإنّه لو لم يؤكّد الإيجاب لما يصحّح الاستحباب إلّا اقتضائيّا بالعرض والمجاز. فتفطّن.

[الأمر الثاني والجواب عنه]

ومنها (١) : أنّ أهل العرف يعدّون من أتى بالمأمور به في ضمن الفرد المحرّم مطيعا وعاصيا من وجهين ، فإذا أمر المولى عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان خاصّ ـ كما مثّل به الحاجبيّ والعضديّ (٢) ـ فلو خاطه في ذاك المكان عدّ مطيعا لأمر الخياطة ، وعاصيا للنهي عن الكون في ذلك المكان.

وفيه : مضافا إلى المناقشة في المثال بأنّه ليس من باب الاجتماع ، ضرورة أنّ الكون المنهيّ عنه غير متّحد مع الخياطة وجودا أصلا ، كما لا يخفى (٣) ـ المنع إلّا عن صدق أحدهما : إمّا الإطاعة بمعنى الامتثال فيما غلب جانب الأمر ، أو العصيان فيما غلب جانب النهي ، لما عرفت من البرهان على الامتناع. نعم ، لا بأس بصدق الإطاعة ـ بمعنى حصول الغرض ـ والعصيان في التوصّليّات. وأمّا في العبادات فلا يكاد يحصل الغرض منها إلّا فيما صدر من المكلّف فعلا غير محرّم وغير مبغوض عليه ، كما تقدّم (٤).

__________________

(١) وهذا هو الدليل الثالث الّذي استدلّ به المحقّق القميّ على الجواز ، فراجع القوانين ١ : ١٤٨.

(٢) راجع شرح العضديّ على مختصر الحاجبيّ ١ : ٩٢ ـ ٩٣.

(٣) ولعلّه ذكر الشيخ الأعظم الأنصاريّ مثالا آخر ، فقال : «كما إذا أمر المولى بالمشي ونهاه عن الحركة في مكان خاصّ ، فإنّ العبد لو خالف المولى وأوجد المشي المأمور به في ضمن الحركة في ذلك المكان عدّ عاصيا ومطيعا ، يستحقّ بالأوّل اللوم والعقاب ، وبالثاني المدح والثواب». مطارح الأنظار : ١٤٨.

(٤) تقدّم في الأمر العاشر من الامور المتقدّمة على الخوض في المقصود ، حيث قال : «إلّا أنّه مع التقصير لا يصلح لأن يتقرّب به» ، راجع الصفحة : ٢٧ من هذا الجزء.