درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۳۱: اجتماع امر و نهی ۲۹

 

[تنبيهات مسألة الاجتماع]

وينبغي التنبيه على امور :

[الأمر] الأوّل : [مناط الاضطرار الرافع للحرمة]

إنّ الاضطرار إلى ارتكاب الحرام وإن كان يوجب ارتفاع حرمته والعقوبة عليه مع بقاء ملاك وجوبه ـ لو كان (١) ـ مؤثّرا له (٢) ، كما إذا لم يكن بحرام بلا كلام ، إلّا أنّه إذا لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار بأن يختار (٣) ما يؤدّي إليه لا محالة ، فإنّ الخطاب بالزجر عنه حينئذ (٤) وإن كان ساقطا (٥) ، إلّا أنّه حيث يصدر عنه مبغوضا عليه وعصيانا لذاك الخطاب ومستحقّا عليه العقاب لا يصلح لأن يتعلّق به الإيجاب. وهذا في الجملة ممّا لا شبهة فيه ولا ارتياب.

[حكم المضطرّ إليه بسوء الاختيار]

وإنّما الإشكال فيما إذا كان ما اضطرّ إليه بسوء اختياره ممّا ينحصر به التخلّص عن محذور الحرام ـ كالخروج عن الدار المغصوبة فيما إذا توسّطها بالاختيار ـ في كونه منهيّا عنه (٦) أو مأمورا به مع جريان حكم المعصية

__________________

(١) أي : لو كان ملاك الوجوب موجودا فيه بعد سقوط التحريم بالاضطرار.

(٢) أي : حال كون الملاك مؤثّرا للوجوب.

(٣) بيان للاضطرار بسوء الاختيار.

(٤) أي : حين كون الاضطرار بسوء الاختيار.

(٥) لعدم قدرته على الاجتناب عن الحرام ، والتكليف بغير المقدور ممتنع عقلا.

(٦) هذا القول نسبه السيّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ في رسالة في اجتماع الأمر والنهي : ١٥١ إلى إبراهيم الكرباسيّ صاحب إشارات الاصول. ولكنّي بعد المراجعة إلى الإشارات لم أجد تصريحه بكونه منهيّا عنه. نعم ، نفى كونه مأمورا به. فراجع إشارات الاصول : ١١٣.

وهذا القول خيرة السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ٢ : ١٤٣ ـ ١٤٤ ، حيث قال : «أقواها أنّه حرام فعليّ ولا يكون واجبا». ثمّ استدلّ على دعواه بما حاصله : أنّ التصرّف ـ

عليه (١) أو بدونه (٢) ، فيه أقوال. هذا على الامتناع.

وأمّا على القول بالجواز : فعن أبي هاشم : «أنّه مأمور به ومنهيّ عنه» (٣). واختاره الفاضل القمّيّ ناسبا له إلى أكثر المتأخّرين وظاهر الفقهاء (٤).

[١ ـ المختار في المقام]

والحقّ أنّه منهيّ عنه بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار إليه ، وعصيان

__________________

ـ في الأرض المغصوبة بالخروج منه حرام فعليّ ولا يكون واجبا.

أمّا عدم الوجوب : فلعدم دليل على وجوب التصرّف بعنوان الخروج من الأرض المغصوبة أو التخلّص عن الغصب أو ردّ المال إلى صاحبه أو ترك التصرّف في مال الغير.

وأمّا حرمته فعلا : فلأنّ الأحكام المتعلّقة بالعناوين الكلّيّة فعليّة على عناوينها من غير لحاظ حالات كلّ واحد من المكلّفين. فالحكم بعدم جواز التصرّف في مال الغير فعليّ على عنوانه غير مقيّد بحال من الأحوال. نعم ، العقل يحكم بمعذوريّة العاجز إذا طرأ عليه لا بسوء اختياره ، وأمّا معه فلا يراه معذورا في المخالفة.

(١) أي : يعاقب عليه ، لا بالنهي الفعليّ ، بل بالنهي السابق على الدخول الساقط حال الخروج.

وهذا ما اختاره صاحب الفصول ، ونسبه إلى الفخر الرازيّ. راجع الفصول : ١٣٨.

وقوّاه السيّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ بناء على مختاره من أنّ تعدّد العنوان يوجب تعدّد المعنون. راجع رسالة في اجتماع الأمر والنهي : ١٥٥.

(٢) أي : بدون جريان حكم المعصية عليه. فلا يعاقب عليه.

وهذا ما اختاره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ؛ واستظهره من حكم الفقهاء بصحّة الصلاة في حال الخروج ؛ واستدلّ عليه بأنّ التخلّص عن الغصب واجب عقلا وشرعا ، ولا شكّ أنّ الخروج تخلّص عن الغصب ، بل لا سبيل إليه إلّا الخروج ، فيكون واجبا. مطارح الأنظار : ١٥٣ ـ ١٥٤.

وقوّاه المحقّق النائينيّ بناء على عدم كون المقام من صغريات قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، ثمّ قال : «ولكن لو بنينا على كون المقام من صغريات تلك القاعدة فالحقّ ما عليه المحقّق الخراسانيّ من أنّه ليس بمأمور به ولا منهيّا عنه مع كونه يعاقب عليه». فوائد الاصول ٢ : ٤٤٧.

(٣) قال في مطارح الأنظار : ١٥٣ : «فقيل بالجواز ، وهو المحكيّ عن أبي هاشم على ما نسب إليه العلّامة ...».

(٤) قوانين الاصول ١ : ١٥٣.

له بسوء الاختيار. ولا يكاد يكون مأمورا به ـ كما إذا لم يكن هناك توقّف عليه (١) أو عدم الانحصار به (٢) ـ وذلك ضرورة أنّه حيث كان قادرا على ترك الحرام رأسا (٣) لا يكون عقلا معذورا في مخالفته فيما اضطرّ إلى ارتكابه بسوء اختياره ، ويكون معاقبا عليه ـ كما إذا كان ذلك بلا توقّف عليه أو مع عدم الانحصار به ـ.

ولا يكاد يجدي توقّف انحصار التخلّص عن الحرام به (٤) ، لكونه بسوء الاختيار (٥).

إن قلت : كيف لا يجديه ، ومقدّمة الواجب واجبة؟

قلت : إنّما تجب المقدّمة لو لم تكن محرّمة ، ولذا لا يترشّح الوجوب من الواجب

__________________

(١) لا يخفى : أنّه لا توقّف هاهنا حقيقة ، بداهة أنّ الخروج إنّما هو مقدّمة للكون في خارج الدار ، لا مقدّمة لترك الكون فيها الواجب لكونه ترك الحرام. نعم ، بينهما ملازمة ، لأجل التضادّ بين الكونين ووضوح الملازمة بين وجود الشيء وعدم ضدّه ، فيجب الكون في خارج الدار عرضا لوجوب ملازمه حقيقة ، فتجب مقدّمته كذلك. وهذا هو الوجه في المماشاة والجري على أنّ مثل الخروج يكون مقدّمة لما هو الواجب من ترك الحرام ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

(٢) هذا الضمير وضمير «عليه» يرجعان إلى «ما اضطرّ إليه» ، كالخروج من الدار.

وحاصل مختاره : أنّ المضطرّ إليه لا يكون مأمورا به كما لا يكون منهيّا عنه بالنهي الفعليّ ، وإن كان منهيّا عنه بالنهي السابق الساقط فعلا للاضطرار إليه. ولكن يعاقب عليه ، لأنّ العقل يحكم باستحقاقه العقاب ، حيث كان قادرا على ترك الخروج الحرام بترك الدخول في الدار.

وتبعه السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٤ : ٣٦٧.

(٣) فإنّه كان قادرا على عدم الدخول في الدار المغصوبة.

(٤) تعريض للشيخ الأنصاريّ ، حيث استدلّ على كون الخروج مأمورا به بأنّه لا سبيل للتخلّص عن الغصب إلّا الخروج ، والتخلّص عن الغصب واجب ، فالخروج واجب. مطارح الأنظار : ١٥٣ ـ ١٥٤.

(٥) فإنّ الاضطرار الناشئ عن سوء الاختيار لا يرفع مبغوضيّة الخروج ، لأنّ العقل لا يحكم بمعذوريّته في المخالفة ، لقدرته على ترك الخروج الحرام بترك الدخول. وكأنّ المقام نظير قتل النفس الناشئ من الرمي ، فإنّ تحريمه يرتفع بعد الرمي لعدم قدرته على المنع عن ذلك ، لكنّه يقع مبغوضا ولا يحكم العقل بمعذوريّته ، لأنّه يقدر على ترك القتل بترك الرمي ، ولذا يعاقب عليه.

إلّا على ما هو المباح من المقدّمات ، دون المحرّمة ، مع اشتراكهما في المقدّميّة.

وإطلاق الوجوب بحيث ربما يترشّح منه الوجوب عليها (١) مع انحصار المقدّمة بها (٢) إنّما هو فيما إذا كان الواجب أهمّ من ترك المقدّمة المحرّمة ؛ والمفروض هاهنا وإن كان ذلك إلّا أنّه كان بسوء الاختيار ، ومعه لا تتغيّر عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، وإلّا لكان الحرمة (٣) معلّقة على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته مع اختياره له (٤) ، وهو كما ترى ، مع أنّه خلاف الفرض وأنّ الاضطرار يكون بسوء الاختيار (٥).

__________________

(١ ـ ٢) الضميران يرجعان إلى المقدّمة المحرّمة.

(٣) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «لكانت الحرمة».

(٤) هكذا في جميع النسخ ، والصحيح أن يقول : «على اختياره له».

(٥) لا يخفى : أنّ العبارة لا تخلو من الغموض ، فيحتاج إلى إيضاح. فنقول :

قوله : «وإطلاق الوجوب بحيث ... انحصار المقدّمة بها» إشارة إلى توهّم. وحاصله : أنّ المقدّمة إذا كانت منحصرة يترشّح إليه الوجوب من ذي المقدّمة ، سواء كانت محرّمة أو مباحة ؛ والخروج ـ في المقام ـ يكون من المقدّمات المنحصرة في التخلّص عن الحرام ؛ فيترشّح وجوب التخلّص عن الحرام إليه ويصير واجبا.

وقوله : «إنّما هو فيما إذا كان الواجب ... من الحرمة والمبغوضيّة» إشارة إلى دفع التوهّم المذكور. وحاصله : أنّ المقدّمة المحرّمة لا تتّصف بالوجوب إلّا بعد اجتماع الشروط الثلاثة فيها : الأوّل : أن تكون من المقدّمات المنحصرة ، بأن لا يكون لها عدل مباح.

الثاني : أن يكون فعل الواجب أهمّ من تركها ، كأن يكون الواجب إنقاذ الغريق في ملك الغير ، حيث إنّه أهمّ من حرمة الدخول في ملك الغير من دون إذنه.

الثالث : أن لا يكون الاضطرار إلى المقدّمة المحرّمة والانحصار فيها ناشئا عن سوء الاختيار ، وإلّا فلا تتغيّر المقدّمة المحرّمة عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، ولا تنقلب حرمتها إلى الوجوب.

والخروج ـ في المقام ـ وإن اجتمع فيه الشرط الأوّل والشرط الثاني ، إلّا أنّ الشرط الثالث مفقود فيه ، لأنّ المفروض أنّ الاضطرار إليه كان بسوء اختيار المكلّف ، ومعه لا يتغيّر حكم المقدّمة المحرّمة.

وقوله : «وإلّا لكانت الحرمة معلّقة على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته ـ