درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۳۲: اجتماع امر و نهی ۳۰

 

إلّا على ما هو المباح من المقدّمات ، دون المحرّمة ، مع اشتراكهما في المقدّميّة.

وإطلاق الوجوب بحيث ربما يترشّح منه الوجوب عليها (١) مع انحصار المقدّمة بها (٢) إنّما هو فيما إذا كان الواجب أهمّ من ترك المقدّمة المحرّمة ؛ والمفروض هاهنا وإن كان ذلك إلّا أنّه كان بسوء الاختيار ، ومعه لا تتغيّر عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، وإلّا لكان الحرمة (٣) معلّقة على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته مع اختياره له (٤) ، وهو كما ترى ، مع أنّه خلاف الفرض وأنّ الاضطرار يكون بسوء الاختيار (٥).

__________________

(١ ـ ٢) الضميران يرجعان إلى المقدّمة المحرّمة.

(٣) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «لكانت الحرمة».

(٤) هكذا في جميع النسخ ، والصحيح أن يقول : «على اختياره له».

(٥) لا يخفى : أنّ العبارة لا تخلو من الغموض ، فيحتاج إلى إيضاح. فنقول :

قوله : «وإطلاق الوجوب بحيث ... انحصار المقدّمة بها» إشارة إلى توهّم. وحاصله : أنّ المقدّمة إذا كانت منحصرة يترشّح إليه الوجوب من ذي المقدّمة ، سواء كانت محرّمة أو مباحة ؛ والخروج ـ في المقام ـ يكون من المقدّمات المنحصرة في التخلّص عن الحرام ؛ فيترشّح وجوب التخلّص عن الحرام إليه ويصير واجبا.

وقوله : «إنّما هو فيما إذا كان الواجب ... من الحرمة والمبغوضيّة» إشارة إلى دفع التوهّم المذكور. وحاصله : أنّ المقدّمة المحرّمة لا تتّصف بالوجوب إلّا بعد اجتماع الشروط الثلاثة فيها : الأوّل : أن تكون من المقدّمات المنحصرة ، بأن لا يكون لها عدل مباح.

الثاني : أن يكون فعل الواجب أهمّ من تركها ، كأن يكون الواجب إنقاذ الغريق في ملك الغير ، حيث إنّه أهمّ من حرمة الدخول في ملك الغير من دون إذنه.

الثالث : أن لا يكون الاضطرار إلى المقدّمة المحرّمة والانحصار فيها ناشئا عن سوء الاختيار ، وإلّا فلا تتغيّر المقدّمة المحرّمة عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، ولا تنقلب حرمتها إلى الوجوب.

والخروج ـ في المقام ـ وإن اجتمع فيه الشرط الأوّل والشرط الثاني ، إلّا أنّ الشرط الثالث مفقود فيه ، لأنّ المفروض أنّ الاضطرار إليه كان بسوء اختيار المكلّف ، ومعه لا يتغيّر حكم المقدّمة المحرّمة.

وقوله : «وإلّا لكانت الحرمة معلّقة على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته ـ

__________________

ـ على اختياره له» إشارة إلى دليل اعتبار الشرط الثالث في ترشّح الوجوب إلى المقدّمة المحرّمة. وحاصله : أنّه لو تغيّرت حرمة المقدّمة المنحصرة فيما إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار ، يلزم أن تكون حرمة المقدّمة ـ وهي الخروج فيما نحن فيه ـ وعدم حرمتها معلّقة على إرادة المكلّف وعدم إرادته.

ويقع الكلام في المراد بهذه العبارة وما هو مرجع الضمير في قوله : «لغيره» و «له» ، بأنّه هل يرجع إلى الخروج أو يرجع إلى الدخول؟ فيه وجوه :

الأوّل : أن يرجع الضميران إلى الخروج ، ويكون المراد من غير الخروج هو الدخول ، فيكون المعنى : تكون حرمة الخروج معلّقة على إرادة المكلّف واختياره الدخول في المغصوب ، وعدم حرمته على اختياره نفس الخروج. وهذا الوجه ما اختاره المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٥٥٤.

الثاني : أن يرجع الضميران إلى الخروج ويكون المراد من غير الخروج هو ترك الدخول. وهذا الوجه ذكره المحقّق الأصفهانيّ ولم يرتض به.

الثالث : أن يرجع الضميران إلى الخروج ، ويكون المراد من غير الخروج هو ترك الدخول ، فيكون معناها : تكون حرمة الخروج معلّقة على اختيار المكلّف ترك الدخول في المغصوب ، فيكون الخروج والدخول ـ قبل الدخول ـ حرامين ، لصدق الغصب عليهما. ويكون عدم حرمته معلّقا على إرادة المكلّف الخروج بعد ما دخل في المغصوب ، فإنّ الخروج ـ حينئذ ـ واجب ، لكونه من المقدّمات المنحصرة. وهذا ما يظهر من كلام العلّامة المحشّي المشكينيّ في حواشيه على الكفاية ـ المطبوعة بالطبع الحجريّ ـ ١ : ٢٦٥.

الرابع : أن يرجع الضميران إلى الدخول ، ويكون المراد من غير الدخول هو ترك الدخول. وعليه يكون معنى العبارة هكذا : تكون حرمة الخروج معلّقة على إرادة المكلّف غير الدخول ، فإنّه إذا ترك الدخول في المغصوب يكون الخروج المتفرّع على الدخول حراما ، كما أنّ الدخول فيه أيضا حرام. ويكون عدم حرمة الخروج معلّقا على اختياره الدخول ، فإنّه إذا دخل المغصوب يكون الخروج ـ وهو مقدّمة محرّمة منحصرة للتخلّص عن الحرام ـ واجبا. وهذا ما اختاره المحشّي القوچانيّ في حاشيته على الكفاية ـ المطبوعة بالطبع الحجريّ ـ : ١٤٢.

الخامس : أن يرجع الضمير في «لغيره» إلى الدخول ويكون المراد من غير الدخول هو عدم الدخول وتركه ، ويرجع الضمير في «له» إلى الخروج. وهذا أيضا يحتمل أن يكون مراد المحشّي المشكينيّ. ـ

[٢ ـ مختار الشيخ الأنصاريّ والإيراد عليه]

إن قلت (١) : إنّ التصرّف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول والبقاء حرام بلا إشكال ولا كلام. وأمّا التصرّف بالخروج الّذي يترتّب عليه رفع الظلم ويتوقّف عليه التخلّص عن التصرّف الحرام فهو ليس بحرام في حال من الحالات ، بل حاله حال مثل (٢) شرب الخمر المتوقّف عليه النجاة من الهلاك في الاتّصاف بالوجوب في جميع الأوقات.

ومنه ظهر المنع عن كون جميع أنحاء التصرّف في أرض الغير ـ مثلا ـ حراما قبل الدخول وأنّه يتمكّن من ترك الجميع حتّى الخروج. وذلك لأنّه لو لم يدخل لما كان متمكّنا من الخروج وتركه ، وترك الخروج بترك الدخول رأسا ليس في

__________________

ـ ولا يخفى : أنّ الاحتمالات الثلاثة الأخيرة يرجع كلّها إلى معنى واحد. ولكن الأولى أن يحمل العبارة على الاحتمال الثالث.

أمّا الوجه في أولويّته من الاحتمالين الأخيرين أنّه لا يستلزم مخالفة الظاهر من جهة عدم سبق ذكر للدخول كي يعود الضمير إليه.

وأمّا الوجه في أولويّته من الاحتمال الأوّل أنّه يستدعي ثبوت الحرمة قبل الدخول وارتفاعها بعد الدخول. وهذا يؤدّي إليه قول الخصم من أنّ الخروج لمّا كان مقدّمة للتخلّص الأهمّ ارتفعت مبغوضيّته وصارت واجبة. والمصنّف رحمه‌الله يكون بصدد ذكر ما يلازمه قول الخصم.

وأمّا الوجه في أولويّته من الاحتمال الثاني أنّه لا يرد عليه ما أورده المحقّق الأصفهانيّ.

وقوله : «وهو كما ترى» إشارة إلى المحذور الأوّل الّذي يلزم من تعليق حرمة الخروج وعدمها على إرادة المكلّف وعدمها. وحاصله : أنّ إرادة المكلّف ليست من شرائط التكليف ، فلا دخل لها في أحكام الموضوعات.

وقوله : «مع أنّه خلاف الفرض ...» إشارة إلى المحذور الثاني اللازم من التعليق. وحاصله : أنّ المفروض ما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار ، وصدق الاضطرار بسوء الاختيار يتوقّف على حرمة الخروج ، فلو صار الخروج غير محرّم بعد الإرادة فلا اضطرار بالحرام كي يصدق كونه بسوء الاختيار.

(١) والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ١٥٣ ـ ١٥٤.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «حاله مثل حال ....».

الحقيقة إلّا ترك الدخول. فمن لم يشرب الخمر لعدم وقوعه في المهلكة الّتي يعالجها به ـ مثلا ـ لم يصدق عليه إلّا أنّه لم يقع في المهلكة ، لا أنّه ما شرب الخمر فيها ، إلّا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع ، كما لا يخفى.

وبالجملة : لا يكون الخروج ـ بملاحظة كونه مصداقا للتخلّص عن الحرام أو سببا له ـ إلّا مطلوبا ، ويستحيل أن يتّصف بغير المحبوبيّة ويحكم عليه بغير المطلوبيّة.

قلت : هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلّص مأمورا به. وهو موافق لما أفاده شيخنا العلّامة أعلى الله مقامه ـ على ما في تقريرات بعض الأجلّة ـ. لكنّه لا يخفى : أنّ ما به التخلّص عن فعل الحرام أو ترك الواجب إنّما يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا بالفعل ـ وإن كان قبيحا ذاتا ـ إذا لم يتمكّن المكلّف من التخلّص بدونه ولم يقع بسوء اختياره إمّا في الاقتحام في ترك الواجب (١) أو فعل الحرام (٢) ، وإمّا في الإقدام على ما هو قبيح وحرام (٣) لو لا أنّ به التخلّص بلا كلام ، كما هو (٤) المفروض فى المقام ، ضرورة تمكّنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.

وبالجملة : كان قبل ذلك متمكّنا من التصرّف خروجا كما يتمكّن منه دخولا ، غاية الأمر يتمكّن منه بلا واسطة ومنه بالواسطة (٥) ؛ ومجرّد عدم التمكّن منه إلّا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا كما هو الحال في البقاء ؛ فكما يكون تركه مطلوبا في جميع الأوقات فكذلك الخروج ، مع أنّه مثله في الفرعيّة على الدخول ،

__________________

(١) وهو التخلّص من الحرام في المثال المذكور.

(٢) كالبقاء في الدار المغصوبة.

(٣) وهو الخروج عن الدار ، فإنّه تصرّف آخر في المغصوب ، وهو حرام.

(٤) أي : عدم انحصار التخلّص به.

(٥) أي : غاية الأمر يتمكّن من الدخول بلا واسطة ومن الخروج بواسطة الدخول.