درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۳۴: اجتماع امر و نهی ۳۲

 

الحقيقة إلّا ترك الدخول. فمن لم يشرب الخمر لعدم وقوعه في المهلكة الّتي يعالجها به ـ مثلا ـ لم يصدق عليه إلّا أنّه لم يقع في المهلكة ، لا أنّه ما شرب الخمر فيها ، إلّا على نحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع ، كما لا يخفى.

وبالجملة : لا يكون الخروج ـ بملاحظة كونه مصداقا للتخلّص عن الحرام أو سببا له ـ إلّا مطلوبا ، ويستحيل أن يتّصف بغير المحبوبيّة ويحكم عليه بغير المطلوبيّة.

قلت : هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال على كون ما انحصر به التخلّص مأمورا به. وهو موافق لما أفاده شيخنا العلّامة أعلى الله مقامه ـ على ما في تقريرات بعض الأجلّة ـ. لكنّه لا يخفى : أنّ ما به التخلّص عن فعل الحرام أو ترك الواجب إنّما يكون حسنا عقلا ومطلوبا شرعا بالفعل ـ وإن كان قبيحا ذاتا ـ إذا لم يتمكّن المكلّف من التخلّص بدونه ولم يقع بسوء اختياره إمّا في الاقتحام في ترك الواجب (١) أو فعل الحرام (٢) ، وإمّا في الإقدام على ما هو قبيح وحرام (٣) لو لا أنّ به التخلّص بلا كلام ، كما هو (٤) المفروض فى المقام ، ضرورة تمكّنه منه قبل اقتحامه فيه بسوء اختياره.

وبالجملة : كان قبل ذلك متمكّنا من التصرّف خروجا كما يتمكّن منه دخولا ، غاية الأمر يتمكّن منه بلا واسطة ومنه بالواسطة (٥) ؛ ومجرّد عدم التمكّن منه إلّا بواسطة لا يخرجه عن كونه مقدورا كما هو الحال في البقاء ؛ فكما يكون تركه مطلوبا في جميع الأوقات فكذلك الخروج ، مع أنّه مثله في الفرعيّة على الدخول ،

__________________

(١) وهو التخلّص من الحرام في المثال المذكور.

(٢) كالبقاء في الدار المغصوبة.

(٣) وهو الخروج عن الدار ، فإنّه تصرّف آخر في المغصوب ، وهو حرام.

(٤) أي : عدم انحصار التخلّص به.

(٥) أي : غاية الأمر يتمكّن من الدخول بلا واسطة ومن الخروج بواسطة الدخول.

فكما لا تكون الفرعيّة مانعة عن مطلوبيّته (١) قبله وبعده (٢) ، كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيّته (٣) ، وإن كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقلّ المحذورين وأخفّ القبيحين.

ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا وتخلّصا عن المهلكة ، وأنّه إنّما يكون مطلوبا على كلّ حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار ، وإلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة ، وإن كان العقل يلزمه إرشادا إلى ما هو أهمّ وأولى بالرعاية من تركه ، لكون الغرض فيه أعظم. فمن ترك الاقتحام فيما يؤدّي إلى هلاك النفس ، أو شرب الخمر لئلّا يقع في أشدّ المحذورين منهما ، فيصدق أنّه تركهما ولو بتركه ما لو فعله لأدّى لا محالة إلى أحدهما ، كسائر الأفعال التوليديّة ، حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى أسبابها واختيار تركها بعدم العمد إلى الأسباب. وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج وإن كان لازما عقلا للفرار عمّا هو أكثر عقوبة.

ولو سلّم عدم الصدق إلّا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع فهو غير ضائر بعد تمكّنه من الترك ـ ولو على نحو هذه السالبة ـ ومن الفعل بواسطة تمكّنه ممّا هو من قبيل الموضوع (٤) في هذه السالبة فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر ويتخلّص بالخروج أو يختار ترك الدخول والوقوع فيها (٥) ، لئلّا يحتاج إلى التخلّص والعلاج.

إن قلت : كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعا عنه شرعا ومعاقبا عليه عقلا مع بقاء ما يتوقّف عليه على وجوبه ، وسقوط الوجوب (٦) مع امتناع المقدّمة

__________________

(١) أي : عن مطلوبيّة البقاء.

(٢) أي : قبل الدخول وبعد الدخول.

(٣) أي : مطلوبيّة الخروج.

(٤) وهو الدخول.

(٥) وفي بعض النسخ : «فيهما» ، والأولى ما أثبتناه ، فإنّ الضمير يرجع إلى المهلكة.

(٦) وفي بعض النسخ : «لسقوط الوجوب» ، وفي بعض آخر : «ووضوح سقوط الوجوب». ومعنى العبارة ـ على ما في المتن ـ : والحال أنّ وجوب ذي المقدّمة يسقط مع امتناع المقدّمة المنحصرة. ـ