درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۴۰: اجتماع امر و نهی ۳۸

 

الأمر الثاني : [صغرويّة المقام لكبرى التزاحم]

قد مرّ في بعض المقدّمات (١) أنّه لا تعارض بين مثل خطاب «صلّ» وخطاب «لا تغصب» على الامتناع ، تعارض الدليلين بما هما دليلان حاكيان ، كي يقدّم الأقوى منهما دلالة أو سندا (٢) ، بل إنّما هو من باب تزاحم المؤثّرين والمقتضيين ، فيقدّم الغالب منهما ، وإن كان الدليل على مقتضى الآخر أقوى من دليل مقتضاه.

هذا فيما إذا أحرز الغالب منهما ، وإلّا كان بين الخطابين تعارض ، فيقدّم الأقوى منهما دلالة أو سندا ، وبطريق الإنّ يحرز به أنّ مدلوله أقوى مقتضيا (٣). هذا لو كان كلّ من الخطابين متكفّلا لحكم فعليّ ، وإلّا فلا بدّ من الأخذ بالمتكفّل لذلك (٤) منهما لو كان (٥) ، وإلّا فلا محيص عن الانتهاء إلى ما تقتضيه الاصول العمليّة.

ثمّ لا يخفى : أنّ ترجيح أحد الدليلين وتخصيص الآخر به (٦) في المسألة لا يوجب خروج مورد الاجتماع عن تحت الآخر رأسا كما هو قضيّة التقييد والتخصيص في غيرها ممّا لا يحرز فيه المقتضي لكلا الحكمين ، بل قضيّته (٧) ليس

__________________

(١) راجع الأمر الثامن ، الصفحة : ٢٤ من هذا الجزء.

(٢) وخالفه المحقّق الخوئيّ وجعل المقام على الامتناع من صغريات كبرى باب التعارض.

راجع المحاضرات ٤ : ٤٠٣.

(٣) لا يخفى : أنّه لا تلازم بين قوّة الدلالة وقوّة المدلول كي تكشف من قوّة الدلالة أنّ المدلول أقوى مقتضيا واقعا ، ضرورة أنّه قد يكون الأقوى دلالة أضعف مدلولا من الدليل الّذي يكون أضعف دلالة.

وأفاد السيّد الحكيم ـ في حقائق الاصول ١ : ٤١٠ ـ ما لفظه : «كان المراد أنّ الأقوى لما كان دالّا على فعليّة مؤدّاه مطابقة فقد دلّ على أقوائيّة ملاكه التزاما ، كما أنّ الأضعف كذلك.

فإذا دلّ دليل الترجيح على حجيّة الأقوى وعدم حجّيّة الأضعف فقد دلّ على ثبوت مدلولي الأقوى المطابقيّ والالتزاميّ معا ، فتثبت أقوائيّة ملاكه ظاهرا».

(٤) أي : للحكم الفعليّ.

(٥) أي : لو كان أحدهما فعليّا.

(٦) أي : وتخصيص الدليل الآخر بالدليل الراجح.

(٧) أي : قضيّة ترجيح أحد الدليلين على الآخر في مسألتنا هذه.

إلّا خروجه فيما كان الحكم الّذي هو مفاد الآخر فعليّا ، وذلك لثبوت المقتضي في كلّ واحد من الحكمين فيها. فإذا لم يكن المقتضي لحرمة الغصب مؤثّرا لها ـ لاضطرار أو جهل أو نسيان ـ كان المقتضي لصحّة الصلاة مؤثّرا لها فعلا ، كما إذا لم يكن دليل الحرمة أقوى ، أو لم يكن واحد من الدليلين دالّا على الفعليّة أصلا.

فانقدح بذلك فساد الإشكال في صحّة الصلاة في صورة الجهل أو النسيان ونحوهما فيما إذا قدّم خطاب «لا تغصب» (١) ، كما هو الحال فيما إذا كان الخطابان من أوّل الأمر متعارضين ولم يكونا من باب الاجتماع أصلا. وذلك (٢) لثبوت المقتضي في هذا الباب ، كما إذا لم يقع بينهما تعارض ولم يكونا متكفّلين للحكم الفعليّ. فيكون وزان التخصيص في مورد الاجتماع وزان التخصيص العقليّ الناشئ من جهة تقديم أحد المقتضيين وتأثيره فعلا ، المختصّ (٣) بما إذا لم يمنع عن تأثيره مانع ، المقتضي (٤) لصحّة مورد الاجتماع مع الأمر أو بدونه فيما كان

__________________

(١) هذا ما أورده الشيخ الأعظم الأنصاريّ على الحكم بصحّة الصلاة في المغصوب مع العذر ، بناء على الامتناع وترجيح جانب النهي. وتوضيح كلامه : أنّه لا فرق بين العموم من وجه المتحقّق في مثل الصلاة والغصب وبين المتحقّق في قولهم : «اعتق رقبة» و «اعتق رقبة مؤمنة» فكما كان تقييد الرقبة بالإيمان مقتضيا لخلوّ عتق الكافرة عن المصلحة وخروجها من موضوع «اعتق رقبة» حتّى في حال النسيان والجهل ، كذلك ترجيح النهي على الأمر وتقييد الصلاة بالنهي يقتضي خلوّ الصلاة عن المصلحة وبطلانها حتّى في صورة الجهل والنسيان وغيرهما. راجع مطارح الأنظار : ١٢٨.

(٢) أي : فساد الإشكال.

وحاصل الجواب : أنّه فرق بين المقامين ، فإنّ العموم من وجه المتحقّق في مثل الصلاة والغصب يكون من موارد التزاحم ؛ وغلبة النهي على الأمر إنّما توجب خلوّ المورد عن الحكم الفعليّ ؛ وأمّا ملاكه باق على حاله. بخلاف العموم من وجه المتحقّق في مثل «اعتق رقبة» و «اعتق رقبة مؤمنة» ، فإنّه من موارد التعارض ، وتقييد الرقبة بالإيمان يقتضي خلوّ عتق الكافرة عن الملاك ، فضلا عن ثبوت الحكم الفعليّ.

(٣ و ٤) وصفان لقوله : «تقديم». ويحتمل أن يكونا وصفين لقوله : «التخصيص».

هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له أو عن فعليّته ، كما مرّ تفصيله (١).

[وجوه ترجيح النهي على الأمر]

وكيف كان فلا بدّ في ترجيح أحد الحكمين من مرجّح. وقد ذكروا لترجيح النهي وجوها (٢) :

منها : أنّه أقوى دلالة ، لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الأمر.

وقد أورد عليه : بأنّ ذلك فيه (٣) من جهة إطلاق متعلّقه بقرينة الحكمة ، كدلالة الأمر على الاجتزاء بأيّ فرد كان (٤).

وقد اورد عليه (٥) : بأنّه لو كان العموم المستفاد من النهي بالإطلاق بمقدّمات الحكمة وغير مستند إلى دلالته عليه بالالتزام ، لكان استعمال مثل «لا تغصب» في بعض أفراد الغصب حقيقة (٦) ؛ وهذا واضح الفساد (٧). فتكون دلالته على العموم من جهة أنّ وقوع الطبيعة في حيّز النفي أو النهي يقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الأفراد ، ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلّا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه (٨).

__________________

(١) مرّ تفصيله في الأمر العاشر من الامور المتقدّمة على المقصود. فراجع الصفحة : ٢٨ من هذا الجزء.

(٢) تعرّض لها المحقّق القميّ في القوانين ١ : ١٥٣ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٧ ، والشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ١٢٥.

(٣) أي : انتفاء جميع الأفراد في النهي.

(٤) والحاصل : أنّ النهي والأمر متساويان في الدلالة على العموم ، فإنّ دلالة كلّ من الأمر والنهي على العموم تكون بمقدّمات الحكمة ، فلا فرق بينهما إلّا من جهة أنّ العموم في النهي شموليّ وفي الأمر بدليّ ، وهذا يوجب أقوائيّة دلالة النهي من دلالة الأمر.

(٥) أي : على الإيراد المذكور.

(٦) بناء على أنّ استعمال المطلق في المقيّد يكون على نحو الحقيقة.

(٧) لأنّ المتبادر من لفظ النهي هو الإطلاق وعدم الخصوصيّة ، فيكون استعماله في البعض مجازا.

(٨) والحاصل : أنّ النهي يدلّ على العموم بذاته لا بمقدّمات الحكمة. فإذن يتبيّن أقوائيّة دلالة النهي على العموم الاستغراقيّ من دلالة الأمر على العموم البدليّ.